مقام بلا مقال

كريم معتوق

  |   14 سبتمبر 2019

مقولة «لكل مقام مقال» من المقولات المشهورة، والتي ترد على الذهنية المتحاورة، كما مقولة اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، مع أنه يفسد آلاف القضايا، حين نتابع اختلافاً في حوار إعلامي، فلمَ منا من يقول ما قاله فولتير: «قد أختلف معك في الرأي، ولكنني على استعداد لأن أموت دفاعاً عن رأيك».
وحين نجمع المقولتين، فإنه لدينا في حالة الحوار المتخلف بين اثنين، أن لكل واحد مقاله في مقام الحوار، وغالباً ما يتناقض المقالان رغم أنه مقام واحد، وهناك مقامات كثيرة لا يكون لها مقال ثابت، بخلاف المقامات المتعارف عليها، في مقام الضيف والمسؤول، حيث يتشابه مقال الموظفين جميعاً، وربما يجمعهم إن لم نقل النفاق لأنه عادة غير اجتماعية في الخليج، ولكن يحل محلها الاقتصاد في الرأي، ألا تقال الحقيقة، كما حدث لحادثة تروى عن رئيس الوزراء الإنجليزي الأشهر ونستون تشرشل، حين سألوه في البرلمان وأجاب، فقيل له إنك تكذب، فقال أنا لم أكذب ولكنني اقتصدت في الحقيقة، واعتبرت مقولته أشهر تبرير للكذب في التاريخ.
فهل لكل مقام مقال ثابت ومتعارف عليه؟ لا أظن ذلك والشواهد كثيرة، فكثيراً ما يحدث أن يكون الصمت مقالاً لمقام، عناق حبيبين بعد فترة من الغياب، سيكون الصمت هو المقال الذي سيكون، بينما عناق صديقين بعد غياب سيكون الضحك والعتاب هو المقال، وعناق الأم لولدها بعد الغياب سيكون المقال فيه البكاء غالباً، فالمقام هنا واحد وهو عناق بعد غياب، ولكن المقال تغير بين صمت وضحك وبكاء.
هناك إذاً مقام بلا مقال لا يمكن أن نحدده مسبقاً، وهناك مقال لمقام يمكن أن نحدده مسبقاً، فحين يكون المقام هو استقبال ضيوف، فإن المقال المتعارف عليه هو الترحيب والاحترام والضيافة، ولكن يحدث أن يكون الضيوف ثقال دم وحشريين، عندها لن يكون الترحيب حاضراً وربما الاقتصاد في الضيافة من أجل سرعة مغادرتهم، وقد تصل إلى عدم الاحترام رغم وجوبه. ويحدث أحياناً حين يغادر الضيف، تتبعه أحاديث الإشادة به وبمتعة استقباله، وأحياناً تشتغل النميمة حين يغادر، وذلك لعيب فيه أو في حواره وسلوكه، فالمقام متشابه ولكن المقال اختلف كثيراً، وربما تضاد المقالان ألفاظاً ومعاني.
إن فكرة لكل مقام مقال توجب التغير في الرؤيا، ولكنْ حد أدنى من البعد الإنساني يوجب توحد المقال، ولكننا لا نرى ذلك، فالحروب الأهلية التي أحرقت وقتلت ودمرت، من الطبيعة الإنسانية السوية أن نستنكر ونحزن لها، ولكن الواقع يشير بإصبعه بأن الإنسان هو من قتل، وهو من دمر وشرد، في الحرب إذاً المقام، ولكن مقال القاتل فيها يختلف عن مقال القتيل فيها، وهناك من يبارك الحروب وهناك من تحزنه، وهنا تكمن الكارثة.

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث