مواهب غنائية: نسير فوق الأشواك

أسامة ألفا  |   25 يناير 2020

كثيرة هي المواهب الغنائية التي تتمتع بأصوات مدهشة، سواء من الذين ظهرت مواهبهم بأغنية ما، أو الذين ظهروا في برامج اكتشاف المواهب، ونسيهم الناس بانتهاء حضورهم التلفزيوني المكثف. فلا يملك أصحاب تلك المواهب سوى طريقين، الأول: أن يقنعوا بأن طريقهم مليء بالأشواك ولا يستطيعوا الصمود في وجه متطلبات الساحة الفنية، أو أن يسلكوا طريق الغناء في الكافيهات والملاهي، منتظرين أن تُفتح لهم طاقة الإنتاج أبوابها.

ويشتكي أصحاب هذه المواهب من عدم توافر شركات الإنتاج التي تؤمن بمواهبهم، كون المنتجين يفضلون الاستثمار بأصوات معروفة جماهيرياً لتحقيق ربح وعائد مالي بشكل أسرع ومضمون. وهو الأمر الذي ينطبق أيضاً على المهرجانات الغنائية ومنتجي الحفلات، الذين يفضلون التعاقد مع نجوم كبار، لضمان تحقيق المبيعات والأرباح. كما أن صنّاع الأغاني من شعراء وملحنين وموزعين ومخرجين الفيديو كليب، متهمون أيضاً بأنهم يفضلون إعطاء أفضل إنتاجاتهم للنجوم الكبار، ويتنازلون عن أعمالهم العادية للفنانين الجدد وبأغلى الأثمان. 

جمهور متقلب 

يقول الفنان الفلسطيني ليث أبو جودة (شارك في برنامج ستار أكاديمي 10): «هناك أسباب كثيرة تمنع وصول الصوت إلى الشهرة، منها عدم التوفيق في اختيار الأغنية أو اختيار الموعد المناسب لطرحها، بالإضافة إلى أن الجمهور وبسبب الثورة التكنولوجية، أصبح متقلب المزاج بشكل سريع، فما يعجبه اليوم قد لا يعجبه غداً». وتعتبر الفنانة المصرية هايدي موسى (شاركت في برنامج ستار أكاديمي 11)، حضورها في البرنامج حالة خاصة جداً، موضحة: «مشاركتي غيرت حياتي بشكل كبير، حيث مارست الغناء هواية قبل الظهور على شاشة التلفزيون، وكان من الجيد خوض منافسة حقيقية أمام لجنة تحكيم قوية، والملايين من المشاهدين، مكنتني من الانتقال إلى مرحلة مختلفة وإظهار حقيقة موهبتي، كما وضعت على عاتقي مسؤولية الوصول إلى مكانة أكبر، وتقديم فن هادف للجمهور من خلال خطوات واضحة وثابتة وغير متعجلة، لكن بعد البرنامج بقيت أنا وكثير من أصحاب المواهب الذين شاركوا في مختلف برامج الهواة، ننتظر من يمد لنا العون إنتاجياً، فدورنا كفنانين فقط، لا يكفي لتحقيق الانتشار والنجومية، وأعتقد أن على النقابات الفنية والجهات التي دورها رعاية الموهوبين، أن تقدم الدعم والمشورة لنا».

غياب المنتجين

يلقي الفنان اللبناني حسام الشامي (شارك في برنامج ذا فويس 3)، اللوم على اختفاء شركات الإنتاج الفاعلة في عدم تبني المواهب، وقال: «الموضوع ليس مادياً فقط، ولكن شركة الإنتاج عبارة عن فريق عمل، يهتم بكل ما يخص الفنان من الشكل إلى الثقافة إلى الاختيارات الجيدة، بينما أصبح الفنان اليوم مجبراً أن يهتم بنفسه بهذه التفاصيل، وهذا ما يأخذ الكثير من الوقت منه ويؤخره عن الاهتمام بالفن الذي يجب أن يكون أول اهتماماته». 

ويتفق معه الفنان السوري مراد حلمي، الذي يؤكد: «أول صدمة يتلقاها أي صاحب موهبة، هي سيطرة المحسوبيات في الوسط الفني، واختفاء الحب والوفاء بين معظم العاملين، فالصعوبة تكمن في تلمس طريق البداية، إذ سيطر مرض الشهرة على الجميع فلم يعد هناك تمييز بين الفنان الحقيقي والمتسلق على الفن، وما زاد الطين بلة اختفاء شركات الإنتاج. 

صناع الأغنية

ألقت الفنانة التونسية غفران فتوحي (شاركت في برنامج أراب أيدول 1) اللوم على صنّاع الأغنية من شعراء وملحنين وموزعين، في تجاهل المواهب، قائلة: «من أبرز المشاكل التي تواجه المطربين الشباب ندرة الأغاني الجميلة التي تناسب أصواتنا، فما يُعرض علينا هو ما تُسمى بأغنيات السوق، وهي جاهزة معلبة لا تعيش طويلاً، يعرضها الشعراء والملحنون والموزعون الموسيقيون على أي صاحب موهبة، وتُباع لنا بأسعار فلكية، بينما نجد نفس الفريق الذي نتعامل معه، يقدم أجمل الأغنيات للنجوم الكبار وبأسعار لا تصل إلى ربع ما ندفعه، فهم لو غامروا معنا سينجحون وسننجح، ولكن المشكلة أن الجميع يبحثون عن نجاح وربح مضمونين».

بدوره، فضّل الفنان الأردني رامي خليل الانسحاب من الوسط الفني، على الرغم من بداياته القوية، إذ قدم في عام 2010، شارة مسلسل «أوراق الحب» من بطولة النجمين ميساء مغربي وشهاب جوهر، وحققت الأغنية على صفحة رامي الشخصية على موقع «يوتيوب» حتى الآن، أكثر من 7 ملايين مشاهدة، ويضيف رامي: «تابعت إصدار الأغنيات كل فترة، وبمجهود شخصي، وحققت بعض أغنياتي مشاهدات تعدت المليون، حتى إنني شاركت ضيفاً في برنامج «تاراتاتا» مع النجم وائل جسار عام 2012، لكن يداً واحدة لا تصفق، فلم أجد شركة الإنتاج التي من الممكن أن تقدم لي الدعم كفنان.

سيدة الموقف! 

يرفض الشاعر والملحن سليم عساف التهمة الموجهة لصنّاع الأغنية، بأنهم يميزون النجوم الكبار بأجمل إنتاجاتهم وبأرخص الأسعار، بينما يعطون الفنانين الشباب أعمالاً متواضعة وبأغلى الأسعار، قائلاً: «الأغنية اليوم هي سيدة الموقف، فكل شخص يبحث عن نجاح أغنيته، بغض النظر عن الصوت الذي يؤديها، لا شك في أن النجوم أسرع إيصالاً للأغنية، ولكنها تصل إلى جمهور هذا الفنان فقط، بينما عندما تنجح الأغنية مع صوت جديد، فحينها سأكسب جمهوراً جديداً ومن طبقات مختلفة. ويؤكد عساف أن الذكاء في اختيار الأغنية هو الأساس، ولا ينكر أن هناك جانباً تجارياً في الحكاية، معبراً عن الأمر بالقول: «موضوع إخفاء بعض الأعمال لفنانين معينين، يحدث في كل زمان ومكان، وهذا الأمر يتعلق بالجانب التجاري، فالأمر ليس متعلقاً فقط بسعر الأغنية بل بخدمتها لاحقاً، من تصوير وترويج وغيرهما، والأهم أن الأغنية أحياناً قد لا تنجح عندما يغنيها صوت شاب، بينما لو قدمها نجم ستصبح أغنية ضاربة، الأمر معقد، ولكنه ليس صعباً». 

تسويق الأغنية 

حول دعم انتشار الأغاني (مادياً) عبر القنوات التلفزيونية، يؤكد الإعلامي فراس حليمة من (قناة أغاني التابعة لشبكة قنوات MTV)، أن سياسة الدعم واحدة لجميع الفنانين، وهي تخضع لعدة شروط، ويوضح: «في حال كانت الأغنية رائعة من حيث الصوت والأداء والتصوير، فنحن نعرضها بشكل طبيعي مرتين إلى أربع مرات يومياً بالمجان، أما (الفنان/المنتج) الذي يرغب في زيادة عدد مرات العرض، (حتى لو كانت الأغنية متوسطة) فهنا نطلب دعهما مالياً كنوع من التسويق والإعلان». ويتراوح الدعم المادي كما يؤكد حليمة في محطته وأغلب محطات الموسيقى، ما بين 2000 إلى 10 آلاف دولار، حيث تعرض الأغنية من 10 إلى 12 مرة يوماً لمدة أسبوع على الأقل. 

صناعة النجم

يرى صانع النجوم نصر محروس، وأحد أشهر من قدم مواهب غنائية في مصر، ضرورة توافر مجموعة عوامل عند تحضير (مشروع النجم)، مضيفاً: «أهمها حلاوة الصوت وتميزه والشخصية المؤثرة (الكاريزما) والذكاء في الاختيار، فضلاً عن الدعم المادي واختيار التوقيت الصحيح. أنا أبحث عن المختلف في الكلمة واللحن والموسيقى، ولا أعمل بمبدأ (السوق عايز كده) بل نحن نقدم ما عندنا، والجمهور إما أن يتقبل أو لا يقبل، وفي كلتا الحالتين تكون مسؤولية المتابعة على الفنان وصانع النجوم لاستكمال النجاح أو لتصحيح المسار».

النجومية فرصة

تؤكد الناقدة الفنية والإعلامية مريم الكعبي أن الأصوات الجميلة في العالم العربي كثيرة، ولكن التي تحقق النجومية تعد على أصابع اليدين. وتضيف: «المتاح أصبح كثيراً، ولأن فن الغناء لم يعد نقياً، وتدخلت هندسة الصوت في علاج عوار الصوت وضعفه وفي تهذيب النشاز وإخفائه، تلك الأسباب صعبت من توقع النجوم ومن صناعتهم. فالسوق اختلفت، ومقومات النجومية تبدلت، وعوامل النجاح تغيرت، وبالرغم من كل ذلك نجد أن البعض ما زال قادراً ومتمكناً، ومحترفاً في صناعة النجوم، مثل نصر محروس الذي قدم مؤخراً مطرباً جديداً اسمه مصطفى شوقي في أغنية «ملطشة القلوب» التي حققت نجاحاً مبهراً، لا يتساوى بالتأكيد مع نجاح أغنية «ثلاث دقات» التي قدمها أبو والتي حققت نجاحاً فاق التصور».

صعود صاروخي

 للأغنية الهابطة

من الظواهر الفنية التي غزت الساحة الفنية مؤخراً، انتشار موضة الأغاني الهابطة (كلاماً ولحناً وغناءً) وهي تندرج تحت ما يسمى (أغاني مهرجانات)، لكن هذه الأغنيات تحقق انتشاراً ونجاحاً كبيرين بين الناس، بطريقة سيطرت على عقول الشباب الذين يرددونها في تجمعاتهم، كما أنها وصلت إلى الأفلام السينمائية وأصبحت سمة من سماتها، مما زاد من تأثيرها وانتشارها. عن هذه النوعية من الأغنيات، يقول الشاعر الغنائي أيمن بهجت قمر: «أغاني المهرجانات ظاهرة كأي ظاهرة تجارية لا تمت للأغنية والموسيقى الشعبية بصلة. وللحد من هذا النوع المُسف من الغناء، يجب أن تقوم الدولة بدورها تجاه القرصنة والقنوات غير المرخصة». ويضيف قمر أن ذيوع هذا النوع من الأغاني، دفعه للعمل على تأسيس نقابة للشعراء، تحمل معايير وأسساً للكلمة المغناة دون التعدي على الآداب العامة، ومن يتعدى ذلك يتم فرض غرامة عليه وذلك لحماية الكلمة، والسيطرة على الفن المقدم للجمهور.  

هاني شاكر: 

اكتشاف المواهب مسؤوليتي

يؤكد نقيب المهن الموسيقية المصرية، الفنان هاني شاكر، دعمه الكامل ورعايته للمواهب الفنية واكتشاف الأصوات الواعدة لتقديم فن راقٍ وجميل، مضيفاً: «الفن الراقي بمثابة القوة الناعمة التي يمكن من خلالها، الإسهام في بناء الوطن وتقدمه». وأشار شاكر إلى أن مصر تضم مواهب يمكنها أن تسهم وبشكل كبير في إثراء الحياة الفنية والثقافية في مصر. وأضاف: «نقابة المهن الموسيقية، بصدد المشاركة في مشروع لاكتشاف المواهب الشابة والصغيرة في كل محافظات مصر، تحت إشراف الاتحاد العام للنقابات الفنية، تشارك فيه نقابة المهن التمثيلية ونقابة السينمائيين، ويهدف هذا المشروع إلى اكتشاف المواهب الحقيقية وخلق مساحات للتعبير عن الطاقات الإبداعية لشبابنا وأبنائنا، لتمثل درعاً واقية لهم في المستقبل بعيداً عن ثقافة الظلام والرجعية والتخلف، ويهدف المشروع أيضاً إلى تكوين فضاء ثقافي رحب لتلقي الفن الجاد، وتجسيد التعددية الثقافية الهائلة، التي تميز مصر في مواجهة الثقافات الأخرى».