طارق الشناوي: صراع التاريخ والجغرافيا في "مهرجان الجزيرة الوثائقي"

طارق الشناوي  |   26 أغسطس 2013

15 شخصاً يمثّلون 15 دولة من العالم هم أعضاء لجان التحكيم في "مهرجان الجزيرة الوثائقي" الذي يشهد الآن دورته الثامنة.

منذ انطلاق المهرجان، هناك توجه يحرص عليه رئيسه المخرج عباس أرناؤوط هو ألا تتكرر جنسية عضوين لأنّه مهرجان دولي يتسابق مبدعون من كل دول العالم للحصول على جوائزه.

لو أنك ألقيت نظرة على أغلب المهرجانات، سوف تكتشف أنّ هذا المبدأ مطبق، لكن من الممكن للبلد المضيف أن يختار عضوين للمشاركة في اللجنة. مثلاً مهرجان "كان" يفعلها كثيراً. ومن بين أعضاء لجنة التحكيم التسعة في المسابقة الرسمية، تجد عضوين من فرنسا.

وبرغم كل هذه الاحتياطات الجغرافية، فإنّ العدالة في أي لجنة تحكيم لا تركن فقط إلى هذا التوزيع الجغرافي، لكن إلى التفاعل الصحي داخل اللجنة بين مختلف العناصر. كما أنه من الضروري أن نرى العناصر الفنية المختلفة من تصوير ومونتاج وموسيقى وديكور وإخراج ممثلةً في اللجنة.

وكثيراً ما نرى اتهاماً مسبقاً يطول أغلب من يشارك في لجان التحكيم بأنه ينحاز إلى بلده على حساب العدالة، بينما قد نرى أيضاً أنّ العكس صحيح، ففنانو هذا البلد يتهمونه بظلم بلده من أجل تأكيد عدالته في التقييم!

أحياناً يصبح الأمر مجالاً خصباً للشائعات التي يتم تداولها في كواليس المهرجانات. أتذكر أنّه في إحدى دورات "مهرجان دمشق السينمائي"، نسب إلى رئيس اللجنة دريد لحام بأنّه قال "على جثتي لن تحصل مصر على جائزة". والحقيقة أنّ هذا التعبير لم يصدر عن الرجل. صحيح، أنا أختلف تماماً مع كل المواقف السياسية التي يؤازر بها دريد الآن بشار الأسد، مبتعداً عن آمال الشعب السوري في الحرية والعدالة، ولكن هذه حكاية أخرى.

في "مهرجان دمشق السينمائي"، كثيراً ما كان هناك خضوع لتوجيهات سياسية بالانحياز إلى فيلم أو بلد ما. البعد السياسي قد يلعب دوره، لكن بالتأكيد لا يمكن أن يعلن فنان في اللجنة "أنه على جثته" لن تحصل هذه الدولة أو تلك على جائزة.

كواليس لجان التحكيم تُشكّل عادة مادة خصبة للشائعات، وأحياناً صُناع الأعمال الفنية هم الذين يروّجون لهذه الشائعات. حدث وقتها أنّ دريد لم يتحمس للفيلم المصري الذي كان مشاركاً في المسابقة وأراد صنّاع الفيلم بعد خروجه خاوي الوفاض من المهرجان أن يلتمسوا الأعذار لأنفسهم وللجمهور مؤكدين أنّها الخديعة التي قادها دريد!

في عالمنا العربي، ينتظر جمهور البلد المضيف دوماً أن يحصل الفيلم الذي يمثله على جائزة، وتمارس أحياناً ضغوط من إدارة المهرجان سواء أكانت تابعة أو غير تابعة للدولة للوصول إلى هذه النتيجة التي تخاصم المنطق، لكنّها تصالح مشاعر الناس الذين لا يعترفون بأنّ هناك مهرجاناً إلا إذا منحهم جائزة.

فرنسا مثلاً نادراً ما تحصل على جوائز في مهرجان "كان" بل يتحول الأمر أحياناً إلى مجال للسخرية من الأفلام الفرنسية المشاركة في المهرجان بوصفها الأضعف عالمياً!

الثقافة التي تعلي من شأن العمل الفني متجاوزةً الجنسية، نادراً ما أراها في عالمنا العربي. لكن هناك بالطبع استثناءات. مثلاً، فالفيلم الجزائري "نورمال" الذي حصل على جائزة مهرجان "الدوحة ترايبكا" في تشرين الأول (أكتوبر) 2011 لم ينل أي جائزة عندما شارك في مهرجان "وهران" في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. بل إنّ أعضاء لجنة التحكيم الجزائريين في "وهران" كانوا الأعلى صوتاً في استبعاده. وبعد ذلك تم تطبيق قواعد الجغرافيا وحصلت كل دولة عربية على جائزة، عدا البلد المضيف صاحب الأرض!

"نورمال" بالمناسبة كان الأفضل فنياً، لكن من الواضح أنّ مخرج الفيلم مرزاق علواش متهم عند البعض بأنه يتاجر بمعاناة شعبه وكثيراً ما يشهرون في وجهه سلاح نشر الغسيل القذر. وعندما يعرض أفلامه حتى خارج حدود الجزائر، يقابل بدرجة عالية من الاستبعاد الذي يستند إلى المعيار نفسه أي أنه يسيء إلى سمعة البلد!

تعدد الجنسيات المشاركة في لجنة التحكيم قد يراه البعض إيجابياً وهو كذلك بالفعل. لكن لا يعني تعدد الجنسيات أن نصل بالضرورة إلى نتيجة عادلة. ومن واقع خبرتي في هذا المجال، تستطيع وأنت تحلّل نتيجة لجنة التحكيم أن ترى بنسبة ما سيطرة عضو في اللجنة على التوجه ليس بالضرورة رئيس اللجنة بل الأكثر قدرة على الإقناع.

من أسوأ ما يحدث في لجان التحكيم ما يمكن أن نطلق عليه التوازن الجغرافي، ويمتد أيضاً إلى النتائج. وتستشعر أنّ اللجنة حريصة على إرضاء كل الجنسيات. وكثيراً ما كان يحدث ذلك خصوصاً في المهرجانات ذات البعد العربي مثل مهرجان "القاهرة للإذاعة والتلفزيون" في مصر. أتذكر أنّ أحد أعضاء اللجان وكان موظفاً كبيراً في التلفزيون اليمني هدّد بالانسحاب من اللجنة لو لم يحصل الفيلم اليمني على جائزة لأنّ هذا يعني إقصاءه من موقعه الوظيفي في اليمن!
أن ينحاز الفنان والإنسان عموماً إلى بلده ظاهرة صحية. لكن عند التقييم الفني، من المفترض أن يتعلّق الأمر بمواطن الإبداع، فلا شيء يقف أمام الإحساس بالجمال.

هل نتائج لجان التحكيم في النهاية هي التي تضع الخريطة الإبداعية وتحدد مسار الفنان؟ الحقيقة أنّ هذه الأمور ليست مطلقة. منذ 30 عاماً، أخرج عاطف الطيب فيلمه "سواق الأتوبيس" وشارك في "مهرجان الإسكندرية السينمائي"، وحصل على الجائزة البرونزية الثالثة. ثم بعد مرور سنوات، وعندما يؤرخ للسينما المصرية وفي كل الاستفتاءات نجد أنّ "سواق الأتوبيس" يحتل دائماً مركزاً متقدماً من بين أفضل عشرة أفلام مصرية طوال تاريخها الذي يربو على 100 عاماً. لجان التحكيم سواء تعددت جنسيات أعضائها أو لم تتعدد، تعبّر فقط عن توازنات وقناعات أعضائها سواء لعبت أو لم تلعب الجغرافيا دورها لأن هناك من سيستند أيضاً إلى التاريخ، وينحاز للفيلم الذي يحمل صانعه تاريخاً أفضل بغض النظر عن الفيلم المشارك في المسابقة. ولهذا ننتظر في المهرجانات أن يقفز أعضاء لجان التحكيم فوق حواجز الجغرافيا والتاريخ!