لولوة المنصوري تكتب: مفردات ماء الحجر
#مقالات رأي
لولوة المنصوري اليوم
استقبلتُ نهاية العام المنصرم بفرحٍ صافٍ هادئ، وأنا أتسلّم نسخًا من عملي البحثي «مفردات الماء في جبال الحجر»، ثمرة ست سنواتٍ من الالتزام الصبور بخطةٍ بدأتْ ملامحها تتشكّل مع مطلع عام 2020. وأحمل محبةً عميقة لتلك المحطة الزمنية الملهمة، التي عَبَرْتُها بوعيٍ وانتباه، ومضيتُ خلالها في مسارٍ لم يكن عابرًا، بل كان ممتدًا في الذات، والمعرفة، معاً.
كانت تلك الأعوام مسيرة ترحالٍ واستبصار؛ جبليةً ومائيةً في آنٍ، وتحليليةً وبحثية، ودراسةً ذاتيةً حرّة متأنية في اللغة، اتكأتْ على يقظة السؤال اللغوي، وعلى العبور المتدرّج بين الأماكن والوجوه، والزيارات الصباحية للرواة، بين الجبل في عليائه، والماء في أقصاه. وكثيرًا ما تخللتْ مسيرة التدوين والتسجيل والكتابة أسئلةُ الإجادة والدقة والأمانة، فلم يكن الاشتغال الفردي يسيرًا؛ بدءًا من مفاجآت القلق والحيرة، واضطراب المعلومة، وشيوع الخطأ، وصولًا إلى السؤال القَلِق: هل المسالك واضحة؟!.. وهل الطريق آمن؟!
ارتأيتُ أنه، من الضروري، الالتفات إلى لهجة أهل جبال الحجر، والتمعّن في قيمتها الدلالية الثريّة، خاصة أنها ما زالت متداولة بين أبنائها وأجيالها بكل حماسة وفخر، ومكتنزة بالتنوّع والحضور المميّز، ومن يُنذر نفسه للترحّل بين مفاوزها الصوتية واللغوية؛ سيكتشف ذلك الامتداد الانتمائي المدهش للغاتٍ عربية قديمة، كانت سائدة في الجزيرة العربية بسيادة الحضارات الإنسانية.
كما أن هناك ثراء وخصوبة عكسا التنوع البيئي المعقّد والغامض والمجهول لإقليم الحجر، ورؤوس الجبال الواقعة، وفق امتداد جغرافي يضم جبال دولة الإمارات، وسلطنة عُمان الشقيقة، ما جعل منها نموذجاً حياً لدراسة المفردات، خاصة تلك الدالة على الماء عند أهل جبال الحجر، باعتبار أن الماء رمز الحياة، والتكوين، والنشأة، والتطور البشري على الأرض بشكل عام. وبشكل خاص، فإن إقليم جبال الحجر يُعدُّ مركزاً أحفورياً مهماً على الأرض، متجدداً وحيوياً بالماء في الإمارات وعُمان، وخزاناً طبيعياً عميقاً وقديماً للمياه، قبل أن يتعرف الإنسان الأول إلى مركز هذا الانبثاق والنشوء والتكوين.
ومن البديهي أن تشكّل هذه الثروة المائية الطبيعية، عبر الزمن، خزاناً لغوياً مائياً، مستمداً من الخصوبة والزرع والثراء، فانعكست روح الماء على روح اللغة، وبرزت في الإقليم ظاهرة لفظية مائية تستحق البحث والتوثيق والدراسة، والنبش في أصلها القديم قِدم الإنسان الذي عاش بين وديانها السحيقة، وعلى سفوح جبالها القديمة، وكَوَّن إرثه الخاص بين حقولها، ومن ثَمَّ توارثتْ نسيجها اللغوي أجيال تلو أخرى، مُكّنت من صنع امتداد لغويّ عربيّ جبليّ حجريّ، يتّصف بالتنوّع والخصوبة والثراء والتجذّر عبر القرون.
أخيراً.. لا يسعني إلا أن أتقدم بالتقدير إلى تلك الرحلة المُلهمة للحواس، والشكر إلى جميع الرواة والإخباريين والمرشدين في جبال الحجر، وإلى كل من قدّم المساعدة والمساندة والتيسير والنصح والمشورة، ومدَّ إليَّ يد العون؛ لإتمام الدراسة البحثية.