أميرة حسن: من الرضا يولد السلام وبحب الذات ننمو
#تنمية ذاتية
ياسمين العطار اليوم 22:18
غالباً، يُطرح «الوعي الذاتي»، اليوم؛ بوصفه أداة للتطوير الشخصي.. لكن خلف هذا المفهوم حكايات إنسانية عميقة، تبدأ من التجربة قبل التنظير. أميرة حسن، مدرّبة ومستشارة في الوعي والتطوير الذاتي، ومؤلفة ومقدمة بودكاست، تمثّل نموذجاً لرحلة بدأت من مواجهة الذات في لحظات هشاشتها، قبل أن تتحوّل إلى رسالة مهنية، ومسار حياتي. وفي هذا الحوار مع «زهرة الخليج»، نتعرف على قصة أميرة، التي تقدم حكاية صبر، ومصالحة داخلية، وتحويل الألم إلى وعي، لتصبح صوتاً داعماً للنساء، الساعيات إلى فَهْم أنفسهن، واستعادة قوتهن.. بهدوء وصدق:
رحلتك مع «الوعي الذاتي» شخصية قبل أن تكون مهنية.. متى شعرتِ بأن شيئاً ما بداخلك يريد الفهم، لا الهروب؟
بدأت علاقتي مع الوعي منذ الطفولة، حين رافقني شعور داخلي بالثقل؛ بسبب مرض الصرع، وما تبعه من مقارنات؛ جعلتني أشعر بأنني مختلفة، وأحياناً أقل اكتمالاً (في نظر نفسي). عشت سنوات طويلة، أحاول التكيّف مع توقعات الآخرين، وأخفي ما أراه ضعفاً، حتى عن أقرب الناس. والمنعطف الحقيقي جاء عام 2020. فبعد التخرج، كنت أتصور أن الحياة ستبدأ بسلاسة، لكن «الجائحة» أوقفت الإيقاع فجأة، ووضعتني في مواجهة مباشرة مع نفسي. وفي العزلة، عادت الأسئلة القديمة بقوة، واكتشفت أن ذاكرتي كانت تحتفظ بالألم أكثر من الفرح. ساعتها، أدركت أن الهروب لم يعد خياراً، وأن الفهم هو الطريق الوحيد للنجاة.
-
أميرة حسن: من الرضا يولد السلام وبحب الذات ننمو
قوة كامنة
كيف تحوّل «الانكسار» إلى «مصالحة» حقيقية مع الذات؟
ذلك «الانكسار» كان بمثابة شرخ دخل منه الضوء. فبدأت أراجع ذاكرتي، وأعيد النظر في تجاربي دون قسوة. كما أن الحكمة القائلة: «إن تحديات الحياة لا يلقيها الله إلا على أقوى جنوده» لامستني بعمق، وجعلتني أرى ما مررت به من زاوية مختلفة؛ ففهمت أن الألم ليس دليلاً على الضعف، بل دعوة إلى اكتشاف قوة كامنة؛ عندها اتخذت قراراً داخلياً بأن أكون فاعلة في قصتي، لا أسيرة لها. وقد خرج كتابي الأول «تخيل ما تريده وحقق ما تتخيله» عام (2020)؛ تجسيداً لهذه المصالحة، ثم بدأت رحلة التعلم والاستثمار في الذات، وصولاً إلى تأسيس مشروعي في التدريب والجلسات الاستشارية، حيث وجدت معنى حقيقياً في مرافقة النساء، خلال رحلاتهن نحو الوعي، وما زلت أؤمن بأن التعلم مسار لا نهاية له.
أنتِ بصدد الحصول على «الماجستير» في «علم النفس الإسلامي».. ما الذي يمكن أن يضيفه إليك هذا العلم؟
هذا التخصص أضاف إليَّ عمقاً في فهم الإنسان؛ فـ«علم النفس الإسلامي» لا يتعامل مع النفس؛ بوصفها سلوكاً فقط، بل كمنظومة متكاملة، تشمل: العقل، والقلب، والروح. ومن خلاله، تعلّمت أن التجربة الإنسانية لا تُفهم بمعزل عن البُعد الروحي، وأن التوازن الداخلي لا يتحقق إلا حين تتكامل هذه الأبعاد. وفي هذا الإطار، يصبح الألمُ رسالةً، والابتلاءُ مساحةً للنمو، وتغدو العلاقة مع الله جزءاً أصيلاً من رحلة التعافي، وبناء الوعي.
ما تعريفك لحب الذات.. من منظورك الشخصي؟
حب الذات، بالنسبة لي، ليس ترفاً وليس شعاراً، بل قرار بإنقاذ النفس من القسوة. لقد عشت زمناً أخجل فيه من حالتي الصحية، وأحاول إخفاءها، لكنني أدركت، لاحقاً، أن ما ظننته نقصاً كان سبباً في تشكيل وعيي، وقوتي. ويمكن للإنسان أن يحب ذاته، حتى وهو غير راضٍ تماماً عن واقعه. فالرضا يمنحنا سلامنا الداخلي، وحب الذات الصادق يدفعنا إلى النمو دون صراع. لقد أحببت تلك النسخة مني، التي كانت تتناول دواءها بخفاء في الجامعة، وهذا الحب سمح لي بأن أتقدّم دون إنكار، أو جلد للذات.
وعي.. ومسؤولية
ما أكبر عائق أمام الرضا؟
المقارنة، بلا شك.. فحين نقيس رحلتنا الداخلية بما يظهر من حياة الآخرين، نحمّل أنفسنا ظلماً مضاعفاً؛ لأننا نرى النتائج، ولا نرى الطرق، ونقارن تعبنا بلقطات مكتملة. حين توقفت عن مقارنة مساري الصحي والنفسي بغيري، أدركت أنني لم أتأخر، بل كنت أتهيأ لتجربة أعمق. والوعي الحقيقي يبدأ حين نكفّ عن إنكار الألم، ونتوقف عن تمثيل القوة، ونحوّل سؤالنا من: «لماذا أنا؟».. إلى: «ماذا يمكن أن أتعلم؟». وهنا، تبدأ المسؤولية عن التعامل مع حياتنا، رغم كل التحديات، لا بلَوْم النفس، بل بوعي الاستجابة.
ما الرسالة، التي تودين إيصالها إلى كل شخص يبحث عن ذاته، وسط ضجيج الحياة؟
إن الطمأنينة لا تُصنع بالقوة، بل تنشأ حين يهدأ الداخل. وليس المطلوب أن نكون بلا ضعف، بل أن نكون صادقين مع أنفسنا، وأن نمضي بخطوات ثابتة؛ حتى حين لا تتضح الصورة كاملةً. فكثير مما نمرّ به ليس خسارة، بل هو إعادة ترتيب، أو تهذيبٌ خفيّ، لا ندرك حكمته فوراً. وحين يثق الإنسان بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن السعي الصادق لا يضيع، سيخفّ القلق، وسيتراجع ثقل المقارنة، وسيصبح القلب أكثر سكينة. هناك، تحديداً، يبدأ السلام الحقيقي.. السلام الذي يولد من اليقين، لا من الظروف!