«السمنة» مؤشر كتلة الجسم معيارها الصحيح
#تغذية وريجيم
كارمن العسيلي اليوم
لم تعد «السمنة» مسألة مظهر، أو نمط حياة فحسب، بل تحوّلت إلى أحد أكثر التحديات الصحية تعقيداً في العصر الحديث، وتتداخل فيها العوامل البيولوجية، والهرمونية، مع السلوك الغذائي، والبيئة المحيطة، في ظل «ضبابية» تفصل - بصعوبة - بين المعلومة الطبية الدقيقة، والانطباعات العامة.. في حوارنا مع الدكتور صفوان طه، استشاري الجراحة العامة وجراحة المناظير وجراحة السمنة في «ميديكلينيك شارع المطار - أبوظبي»، نصل إلى قراءة علمية متوازنة لمرض السمنة، تضع المعايير الطبية في سياقها الصحيح، وتناقش بوضوح الخيارات العلاجية المتاحة، من الأساليب غير الجراحية إلى التدخل الجراحي، استناداً إلى خبرة «إكلينيكية» واقعية.
-
«السمنة» مؤشر كتلة الجسم معيارها الصحيح
يوضح الدكتور صفوان طه أن النظرة الطبية الحديثة لا تتعامل مع «السمنة» بوصفها رقماً على الميزان، بل كحالة صحية، تقيَّم بمعيار علمي دقيق، هو مؤشر كتلة الجسم (BMI)، الذي يقوم على معادلة بسيطة تربط الوزن بالطول. ويُحتسب هذا المؤشر بقسمة وزن الشخص بالكيلوغرام على مربع طوله بالمتر (الوزن ÷ الطول²)؛ ما يسمح بتقييم أكثر عدالة لتركيب الجسم، بعيداً عن الأحكام السطحية. ومن هنا، قد يحمل شخصان الوزن نفسه، لكن تصنيفهما الصحي يختلف جذرياً، بحسب الطول، والبنية الجسدية؛ فوزن (125) كيلوغراماً، مثلاً، قد يشكّل «سمنة مرضية» لدى شخص طوله 170 سنتيمتراً، في حين قد يكون ضمن الحدود الطبيعية لدى رياضي محترف، يبلغ طوله نحو المترين. وبحسب هذا المقياس، يُعد مؤشر كتلة الجسم حتى (25)، ضمن النطاق الطبيعي، بينما يشير أي رقم بين (26)، و(29)، إلى زيادة في الوزن لا تُصنَّف طبياً كسمنة، ولا تستدعي تدخلات علاجية مكثفة. أما عند بلوغ المؤشر (30) وما فوق، فيدخل الشخص في إطار مرض السمنة، بدرجته الأولى؛ ليُعامل - حينها - كحالة مرضية مزمنة.
درجات «السمنة».. وعلاجها
يبيّن استشاري الجراحة العامة وجراحة المناظير وجراحة السمنة، في «ميديكلينيك شارع المطار»، أن التعامل مع «السمنة» لا يقوم على حل واحد ثابت، بل يعتمد على درجة «السمنة»، وحدّتها، فلكل مرحلة مسار علاجي مختلف. ففي الدرجة الأولى، عندما يراوح مؤشر كتلة الجسم بين (30)، و(34)، غالباً يكون بالإمكان السيطرة على الحالة بوسائل غير جراحية، تشمل: تعديل نمط الحياة، واعتماد نظام غذائي مدروس، وزيادة النشاط البدني، إلى جانب بعض العلاجات الدوائية، أو إجراءات مؤقتة مثل «بالون المعدة». أما عند الانتقال إلى الدرجة الثانية، أي حين يراوح المؤشر بين (35)، و(39)، وتُعرف هذه المرحلة بـ«السمنة المفرطة»، فإن الصورة السريرية تصبح أكثر تعقيداً، لا سيما إذا ترافق الوزن الزائد مع أمراض مزمنة، منها: داء السكري، وارتفاع ضغط الدم، وتشحم الكبد، واضطرابات التنفس أثناء النوم. ففي هذه الحالات، يشير الدكتور طه إلى أن الخيارات غير الجراحية، غالباً، تفشل في تحقيق نتائج طويلة الأمد، ما يجعل التدخل الجراحي خياراً علاجياً منطقياً، وفعّالاً. وعند تجاوز مؤشر كتلة الجسم حاجز الـ(40)، يدخل المريض في نطاق «السمنة الخطيرة»، وهي مرحلة تُشكّل عبئاً صحياً حقيقياً على مختلف أجهزة الجسم. هنا، ومن منظور طبي وأخلاقي، يصبح اللجوء إلى الجراحة الخيار الأكثر أماناً وملاءمة، ليس لإنقاص الوزن فحسب، بل للحد من المضاعفات الخطيرة، المرتبطة بهذا المستوى المتقدم من «السمنة».
هل الأكل وحده يسبب «السمنة»؟
يؤكد الدكتور صفوان طه أن «السمنة» لا تنتج عن الإفراط في تناول الطعام فحسب، بل تعود - في جوهرها - إلى خلل في معدل الأيض الأساسي، أي (حرق الطاقة أثناء السكون)، على غرار أمراض مزمنة أخرى كالسكري، حيث لا يكون تناول الحلوى سبباً في الإصابة بالمرض، وإنما تناولها يزيد الحالة سوءاً. والطعام في حد ذاته لا يسبب «السمنة»، وإنما الإفراط في تناوله يزيد حدة المرض. ويوضح أن الشخص السليم عند تناوله كمية محددة من الطعام يحرق الأغلب منه. بينما يعاني مريض «السمنة» ضعفاً واضحاً في كفاءة الحرق، ما يؤدي إلى تخزين الجزء الأكبر من الطعام على شكل دهون حتى مع كميات طعام مماثلة. ومن هنا، يشير إلى أن تحسن حرق الطعام يرتبط بمنظومة هرمونية متكاملة، يمكن دعمها عبر نظام غذائي متوازن، يركّز على البروتينات والخضروات، ويحد من السكريات والطحين. إلى جانب بعض العلاجات الدوائية، التي قد تفيد مؤقتاً في المراحل المتوسطة. إلا أنه يشدد على أن التدخل الجراحي يظل الخيار الوحيد، القادر على إحداث تغيير جذري، ومستدام، في حالات «السمنة المتقدمة»، فالأدوية، و«البالون»، و«إبر التنحيف»، غالباً تفقد تأثيرها مع الوقت.
بين الإبر.. والجراحة
يوضح استشاري الجراحة العامة وجراحة المناظير وجراحة السمنة، في «ميديكلينيك شارع المطار»، أن الإبر الدوائية الحديثة، مثل: «أوزمبيك»، و«ويغوفي»، تعتمد على مبدأ متقارب، يقوم على تنظيم الشهية عبر تأثيرات هرمونية. بينما تتميز «مونجارو» بتركيبة تجمع بين هرمونين: أحدهما لا تزال الخبرة السريرية حوله محدودة نسبياً. ورغم أن «أوزمبيك» تُعد أكثر أماناً مقارنة بغيرها، وإن كانت فاعليتها أقل من «مونجارو»، إلا أن الدكتور صفوان طه يشدد على أن هذه الإبر ليست حلاً سحرياً، إذ تشير الخبرة الإكلينيكية إلى أن نحو 30% فقط من المرضى يتحملونها، ويستفيدون منها على المدى القصير، فيما يواجه آخرون آثاراً جانبية تعيق الاستمرار، وغالباً يعود الوزن بعد التوقف. وفي المقابل، يضع الدكتور طه الجراحة ضمن إطارها العلمي الصحيح: ليست خياراً أولياً إلا عند مؤشر كتلة فوق الـ(35)، مع أمراض مرافقة، أو أكثر من (40). ولا توجد عملية واحدة تناسب الجميع؛ فـ«قص المعدة»، هو الأكثر شيوعاً عالمياً، وغالباً يلائم أصحاب مؤشر كتلة تحت الـ(40)، ومن دون أمراض شديدة. بينما يُعد «تحويل المسار» (الكلاسيكي، أو المصغّر) أكثر تعقيداً، ويتطلب خبرة أعلى، لكنه أنسب للسمنة الشديدة، المصحوبة بمضاعفات. ويحذر من اختزال هذه العمليات في فكرة «تصغير المعدة»، مؤكداً أن لكل تقنية أسساً دقيقة، وتأثيرات مختلفة في الامتصاص والهرمونات، ما يجعل القرار الجراحي محكوماً بتقييم طبي شامل.
-
«السمنة» مؤشر كتلة الجسم معيارها الصحيح
نصيحة ذهبية
في ختام الحوار.. يحرص الدكتور صفوان طه، استشاري الجراحة العامة وجراحة المناظير وجراحة السمنة، في «ميديكلينيك شارع المطار»، على إعادة ضبط التوقعات، مؤكداً أن الجراحة، رغم فاعليتها العالية في الحالات المناسبة، لا تمثّل حلاً سحرياً قائماً بذاته، بل تشكّل جزءاً من منظومة علاجية متكاملة، تقوم على شراكة حقيقية بين المريض والفريق الطبي. فبالنسبة لمن يعانون «سمنة بسيطة»، يمكن لخيارات محافظة، مثل «الصيام المتقطع»، وفق نظام 16 ساعة صياماً، و8 ساعات غذاءً صحياً، أن تكون فعّالة شرط الالتزام الصارم، والامتناع الكامل عن السكريات والطحين. أما عند تجاوز مؤشر كتلة الجسم الـ(30)، فينصح بعدم الاكتفاء بالمحاولات الفردية، والتوجّه إلى مركز متخصص في علاج السمنة، يضم فريقاً متعدد التخصصات، يتكون من: جرّاح السمنة، واستشاريين في التغذية، والقلبية، والأيض، والنفسية، والتخدير؛ لضمان تقييم دقيق، وخطة علاج مناسبة. ويختصر الدكتور طه جوهر رسالته، بقوله: إن النتائج لدى من يحتاجون إلى تدخل جراحي قد تكون لافتة ومبهرة، غير أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالأرقام السريعة، بل بالالتزام طويل الأمد، لأن «السمنة» مرض مزمن، وعلاجه مسار مستمر، وليس قراراً لحظياً.
5 أسئلة.. وأجوبة
1. هل للوراثة دور في «السمنة»؟
نعم، تلعب الوراثة دورًا في الاستعداد للسمنة، من خلال تأثيرها في الحرق، وتنظيم الشهية، لكنها لا تعمل بمعزل عن نمط الحياة، والعوامل البيئية.
2. هل يؤثر التوتر، وقلة النوم، في الوزن؟
بالتأكيد، فاضطراب النوم، والتوتر المزمن، يُخلّان بتوازن الهرمونات، ويعززان تخزين الدهون، ما يصعّب فقدان الوزن، حتى مع الحمية.
3. هل تكفي الرياضة لعلاج «السمنة»، وحدها؟
الرياضة ضرورية للصحة، لكنها نادرًا ما تكون كافية وحدها لعلاج السمنة المتوسطة، أو المتقدمة، من دون معالجة الخلل الأيضي.
4. ما أخطر أخطاء الحميات الشائعة؟
اتباع أنظمة قاسية، أو غير قابلة للاستمرار، أو تعميم حمية واحدة على الجميع، ما يؤدي، غالبًا، إلى استعادة الوزن لاحقًا.
5. هل يمكن أن تعود «السمنة»، بعد الجراحة؟
نعم، إذا غاب الالتزام، والمتابعة. فالجراحة أداة فعالة، لكن الحفاظ على النتائج يتطلب نمط حياة صحيًا طويل الأمد.