لولوة المنصوري تكتب: العودة إلى الطبيعة
#مقالات رأي
لولوة المنصوري اليوم
في زمن سائل، اتسع فيه البُعد، وتفككت الروابط الاجتماعية، وذابت السرديات العامة؛ رغم التكاثر والزحام، وبات مشحوناً بالوحشة، والماديات، والانزواء، وحياة الجدران، والاغتراب عن الذات.. تعيش البشرية أَوْج حالات خوائها، واضمحلال صفائها؛ فباتت الأمراض الروحية متسيدة مشهد الأرض، ولا شك في أن الجسد مرهون بحالات النَّفس، وإشراقاتها، أو انطفاءاتها. ولعل الخواء البارز، الذي وُسِم بأنه مرض العصر الراهن، هو فقدان الشغف بتفاصيل الحياة.
لكنْ هناك ضياء شاسع في الوعي، باتت تُشرق به الأرض من جديد، إذ بدأت البشرية تعود إلى تواصلها المباشر، والقوي مع «الطبيعة الأم» النقية الحُرّة، تخففاً من تراكمات الحياة الاستهلاكية، وتداعياتها الكئيبة على الروح الإنسانية، فراحت تنتشر حركات الإياب نحو طقوس المشي في الهواء، والاستحمام في الغابات، وامتهان التأمل، والصمت العميق، كدواء طبيعي، وسبيلٍ لإعادة بعث الشغف، وطريقٍ لتحقيق التحرر، والبحث عن الذات المتخففة من الأثقال النفسية، ولجوءٍ فطري إلى الطبيعة؛ باعتبارها الأم الحانية، والمعالجة، التي تشفي الروح والأبدان. ولا يخفى علينا أن الاستشفاء بعناصر الطبيعة كان العلاج البديل الأول والأوحد، الذي استخدمته البشرية لتحقيق البقاء. إذ إننا جميعاً ننتمي إلى جذرها الأزليّ، وإلى رحمها البدائي العطوف.
لروح الأشجار قوة هائلة في المُداواة، وعطر خلاب نابض بالندى والجذور، وابتلال الغصن، وحفيف الأوراق، وذلك يعني أن يتقن المشاء في الغابة فن الإنصات بصمت، وملء القلب بالمشاعر التي تعتريه؛ ليتشبَّع بمشهد شميّ. إن البخار الزكي لعطر الغابات يساهم في تهدئة العقل، وتزكية الروح، وتعزيز التركيز، كما أن فوحانها الفعال يساعد في معانقة فراغ العالم.
ويُدرك حكماء الهند منزلة التفوّق الحسي والشمي لعطر الغابة، في طقوس العلاج والاستشفاء عبر «الأيورفيدا»، شرط أن يصل المرء - بإدراكه - إلى مرحلة الإصغاء للعطر، متجاوزاً حاسة الشم المتعارف عليها، فسماع احتراق البخور يقوي إدراك الوعي؛ باعتبار أن البخور كالوجود البشريّ - في هشاشته، وزواله - يفنى مع مرور الوقت.
كما تعتبر الحدائق، وعملية التشجير، والانشغال الروحي بالإنبات والزرع، ومراقبة النموّ الطبيعي للنبتة، أدوات للاستشفاء، والتخفف من وتيرة إيقاع الأعصاب المتسارع، في ظل حياة مكتنزة بالشحنات الذائبة في الفوضى، والضجيج، وقلق السعي إلى المكانة، والخوف من المجهول. إن عملية البستنة حقل دراسة ذاتية؛ لتربية الروح على التأني، وقبول التدرّج في واقع الحياة، والتسليم التام للإرادة الإلهية المثلى، والطاقة الكونية العليا، وهي موضوعات شغلت الإنسان الأول، وأمَدَّته بطاقة نمو وتجربة وتجذّر، ولعل حكماء اليابان القدماء أبرز من شغلتهم البستنة كموضوع روحيّ وتحرريّ، فتم توظيفها طاقياً داخل أسوار «معابد الزن»؛ للتشجيع على التأمل، وتفعيل البصيرة، وتنمية الحواس.
البستان يعكس قلب الإنسان، انطلاقاً من فرضية أن قلب الإنسان هو، دوماً، مشهد باطنيّ عابر للحدود. إذ تُعتبر الحديقة فضاءً مواتياً للصمت والخشوع، وترمز إلى طبيعة الإنسان الداخلية، وتظهر الحديقة كتجلِّ روحيّ لطيف ومشرق، محرضة على التفكّر الحقيقي، الذي يتماثل مع عملية تأمل عمل فني بديع.