د. نرمين نحمدالله تكتب: قطعة شوكولاتة داكنة
#مقالات رأي
د. نرمين نحمدالله اليوم
آخر قطعة من الشوكولاتة الداكنة في العلبة!.. راقدة هناك مكانها، كأنها تعرف أنها وحدها تبقت، وأن مصيرها يوشك أن يقترب! تعلوها طبقة بيضاء؛ فأتذكر يوم قلت لي بنبرتك العملية: إن هذا يعني أنها تعرضت للانصهار، ثم عادت تتجمد، لكنني بقيت أراها، كأنها - ككل ما صار يتعلق بنا - قد داهمها المشيب!
أنظر إليك، وقد وقفت أمامي بقميص أبيض، ولأول مرة يذكرني الأبيض بالشحوب لا بالنقاء، تمتد أناملنا معاً، في نفس اللحظة، لهذه القطعة الأخيرة من الشوكولاتة، فأتركها لك!
«منذ متى تتخلين عن نصيبك في الشوكولاتة؟!».. تقولها مازحاً، وربما خائفاً؛ فتنساب كلماتي عبر الشفتين المرتجفتين، تضع النقطة الأخيرة في نهاية سطر طويل: «منذ صارت تذكرني بك».
بعد لحظات سأتركك خلفي، لست وحدك، معك جيش عظيم من أحلام ووعود وحكايات.. عجباً! كيف يبدو الفراق؛ عندما نفكر فيه سهلاً كشربة ماء.. بينما عندما نواجهه يداهمنا كموج هادر لا يرحم!
يوماً ما سأحكي عنك كقطعة شوكولاتة داكنة، أذبتها في فمي على مهل، دون أن أكترث لمرارتها، كنت فقط أحلل نوتات المذاق؛ لعلي أتبين - وسط المرارة - ما يمنحها تفرد الطعم. أنت، أيضاً، ستحكي عني، لكن كقطعة شوكولاتة داكنة أكلتها دفعة واحدة؛ فصدمتك مرارتها، ولم تملك الشجاعة لتكرر التجربة.
أعرف أنني، وحدي، سأحتفظ بهديتك الأولى، برسالتك الإلكترونية الأولى، بساعتك القديمة التي خلعتُها من معصمك؛ لأضع مكانها واحدة جديدة عليها صورتنا معاً، وقد ظننت هذا كفيلاً بأن يجعلك تتذكر أن لا دقيقة من عمرك ستمر إلا وأنا بجوارك!.. تماماً كما أحتفظ بغلاف الشوكولاتة كتذكار؛ حتى يأتي يومٌ، وأراه مجرد أثر قديم وليس مخلباً أدمى قلبي. وأعرف أنك سترمي كل هداياي، وستمسح كل صورنا معاً.. لا تزال ساذجاً، تظن أن ما لا تراه عينك لن يخدش قلبك، لكنك ستكتشف - بعد أيام - أنك في كل مرة كنت ترمي جزءاً من نفسك؛ كما ترمي غلاف الشوكولاتة، ومع هذا تبقى تذكر شكله، ولو بعد سنوات!
أعرف أنني سأتحدى الذكريات، سأذهب إلى نفس المقهى الذي اعتدنا اللقاء فيه، أطلب نفس المشروب، آكل الشوكولاتة الداكنة من نفس النوع الذي أدمنته معك بعناد، أواجه شبحي حتى يستحيل إلى رماد، وأعرف أنك ستغير خريطتك، طريقك، بل وربما لن تجد الجرأة لأن تمس قدماك طريقاً سرناه معاً.. لن تستطيع أن تأكل الشوكولاتة الداكنة لوقت طويل، لكن طعمها سيبقى يطاردك كلعنة لا ينفك أثرها!
أعرف أنني سأبكي طويلاً بعد رحيلك، لكنني سأعاود لملمة نفسي بصبر، كما أعيد غزل الصوف بعد حله، سأعيد ترتيب ذاكرتي، وسأفرغ جيوبها من جروحك، وسأضع مكانها شارات الخبرة؛ كي لا ألدغ من جحر مرتين، تماماً كما أتناول الشوكولاتة ببطء؛ فأشكو مرارتها في القضمة الأولى، وأتأمل في الثانية، وأتصالح مع الثالثة. وأعرف أنك لن تبكي الآن.. ستؤجل حزنك كما اعتدت، ستتجاهله كضيف ثقيل، كقطعة شوكولاتة تأكلها، وأنت تشاهد فيلماً في ظلام سينما مزدحمة؛ فلا تنتبه إلى مرارتها؛ إلا عندما يضاء النور فجأة؛ فتكتشف أنك وحدك.. حينها فقط ستبكي!
أتعرف، لماذا سأخرج منتصرة رغم كل شيء؟!.. لأنني بنيتك داخلي كجنة زرعتها زهرةً زهرةً، وإن سقطت أوراقها في الخريف؛ ستبقى الجذور تنتظر ابتهالات ربيعها.. بينما أنت بنيتني كبيت، وعندما سقطت جدرانه انهار دفعة واحدة، وقفت لا تعرف ماذا تفعل؛ فمضيت غافلاً عن أنه ما بقي منك يقبع تحت أنقاضه.
يوماً ما سينظر كلانا إلى نفس قطعة الشوكولاتة اللامعة.. فترى فيها بريق كل وعد جميل منحتك إياه، وأرى أنا فيها خداعاً بصرياً تلاعب بقلبي، لكننا سنشترك، معاً، في تذوق مرارة الطعم؛ فالندم يشبه الخذلان هنا كثيراً، كلاهما له نَصْلٌ على القلب لا يرحم!