د. شما محمد خالد آل نهيان تكتب: لا تُعودني على أن أنساك!
#مقالات رأي
د. شما محمد بن خالد آل نهيان اليوم
«لا تُعودني على أن أنساك».. لم تكن هذه الكلمات، التي وجهها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلى سالم السامان، رحمه الله، بعد فترة غياب، مجرد جملة عابرة في سجل الذكريات؛ لقد كانت - في جَوْهرها - دستوراً أخلاقياً، ووصية إنسانية عميقة، تكشف أعماق النفس البشرية.. إنها دعوة صريحة إلى إعلاء قيمة التواصل بين الناس، وإدراك مبكر بأن القرب هو ماء الحياة، الذي يحمي المودة من الذبول.
تحمل حروف هذه العبارة دفئاً استثنائياً، يجعلها تتجاوز حدود الموقف الشخصي؛ لتصبح منهجاً في فهم العلاقات الإنسانية؛ فهي توضح لنا كيف لا نسمح للمسافات بأن تخصم من مساحات المحبة في قلوبنا، وكيف لا نستسلم لإيقاع الحياة المتسارع، الذي يكاد يبتلع أصوات المخلصين في صخبه الذي لا يهدأ. فالغياب - في حقيقته - ليس دائماً سببه المسافات، التي تصل إلى آلاف الأميال؛ فقد يتجسد في انقطاع السؤال، وفتور اللقاءات، واعتياد الصمت؛ حتى يصبح الغياب نمطاً مألوفاً، لا يستفز فينا حنيناً.
بالنسبة لي.. كان لاسم سالم السامان، رحمه الله، حضور خاص في ذاكرتي، مرتبط بوهج الطفولة؛ فلطالما كان والدي محمد بن خالد، طيب الله ثراه، يذكره بالخير في أعيادنا ومناسباتنا؛ حتى أصبح اسمه جزءاً أصيلاً من نسيج الحكايات، التي شكلت وعينا بالوفاء في طفولتنا. ولا يزال مشهد عقد اللؤلؤ ماثلاً أمام عينيَّ، وهو أول هدية نلتها في طفولتي، فقد أهداه إليَّ والدي، وأخبرني بأنه من «مجوهرات المنارة» لسالم السامان؛ ومنذ تلك اللحظة اقترن هذا الاسم - في وجداني - بالبهجة والسرور، وبفرحة هدايا العيد التي لا تُنسى.
مؤخراً، حين شاهدت مقطع فيديو، للقاء مُصَوَّر لسالم السامان، وهو يسرد موقفه مع المغفور له الشيخ زايد؛ استوقفتني تلك العبارة، ونحن نعيش في عصر المسافات القريبة، والقلوب البعيدة.. فكم من قريب، أو صديق، لا تفصلنا عنه سوى دقائق معدودة، ومع ذلك انقطع بيننا «حبل الوصل»؛ ليس لنضوب المحبة، بل لأننا سمحنا لضجيج المشاغل بأن يقنعنا بأن الانشغال عذر كافٍ، وأن الظروف أقوى من الرغبة.. وهكذا، رويداً رويداً، يتحول الغياب إلى عادة، ويحل بَرْد الصمت محل دفء السؤال؛ ليصبح النسيان - في النهاية - نتيجة طبيعية لزمن لا نحمي فيه علاقاتنا بما يكفي من التواصل.
إن المغفور له الشيخ زايد لم يكن أباً لأسرته فحسب، بل كان أباً لمنظومة قيم كاملة، زرعها، طيب الله ثراه، في الوجدان الجمعي لشعب الإمارات؛ إنها قِيَم: القرب الإنساني، والوفاء، وصَوْن المودة، والتراحم. وتبقى كلماته حية؛ لأنها لم تكن تنظيراً، بل كانت انعكاساً لموروث إنساني عريق، وأصالة تجسدت في شخصه.
ستبقى الذكريات هي الجسر، وسيبقى التواصل الإنساني هو الأثر الأبقى في القلوب.. إن أخلاق الراحلين، وقيمهم، ستظل، دائماً، أعظم وأقوى من الغياب، فهي تذكرنا، دوماً، بأن التعود على الغياب أول خطوة نحو النسيان، وأن التواصل هو معركة الوفاء الأخيرة ضد الزمن.