سعاد الزدجالي: أحمل رسالة وطني إلى العالم
#تحقيقات وحوارات
ندى الرئيسي اليوم 13:30
في العمل الإنساني، كثيراً ما تبقى التفاصيل الحقيقية بعيدةً عن الأضواء؛ فهي تُعاش في الميدان، مع قصص إنسانية تحتاج إلى احتواء وصبر، وقرارات دقيقة. في هذا المجال، تعمل الإماراتية سعاد الزدجالي، رئيس قسم بيوت الرعاية المؤقتة في إدارة بيوت الرعاية بهيئة الرعاية الأسرية؛ فتواكب، يومياً، حالات إنسانية حساسة، تتطلب مزيجاً من التعاطف، والاحترافية. وعلى مدى أكثر من عشرين عاماً من العمل الاجتماعي والإنساني، راكمت الزدجالي خبرة عملية في التعامل مع النساء والأطفال، الذين يمرون بظروف صعبة، ضمن منظومة تهدف إلى توفير الحماية والدعم، وإعادة بناء الاستقرار في حياتهم.. في هذا الحوار مع «زهرة الخليج»، تتحدث سعاد الزدجالي عن مسيرتها المهنية، ورؤيتها للعمل الإنساني، والتحديات التي تواجهها القيادات النسائية في هذا المجال:
حدثينا عن نشأتك، وأهم محطاتك الأكاديمية، والمهنية!
أنا ابنة الإمارات، وأم، وزوجة، وموظفة. نشأت في أسرة كان لها أثر كبير في تشكيل شخصيتي؛ فقد تعلمت من والدتي، وهي ربة منزل، العطاء والاهتمام بالآخرين. بينما غرس والدي، بحكم عمله العسكري، بداخلي الانضباط، وتحمل المسؤولية. أكاديمياً، حصلت على شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال، ثم درجة الماجستير في الإدارة. بدأت مسيرتي المهنية في دولة الكويت بالجامعة الأميركية هناك، وكانت تجربة مهمة بالنسبة لي، قبل أن أعود إلى الإمارات وأعمل في «مؤسسة التنمية الأسرية». ومع الوقت اتجهت إلى العمل الإنساني، وتخصصت في مجال الإيواء والرعاية، فأعمل حالياً على دعم وتمكين النساء والأطفال، الذين يمرون بظروف إنسانية حساسة، ضمن هيئة الرعاية الأسرية.
بداية الرحلة
كيف بدأتْ رحلتكِ في العمل الإنساني، ولماذا مجال «الإيواء والرعاية»، تحديداً؟
اليوم، ومع خبرة تمتد إلى أكثر من عشرين عاماً.. أقول: لم يكن العمل الإنساني مجرد وظيفة، فهو رسالة وهدف، شَعُرت بهما منذ اللحظة الأولى. وبعد عودتي إلى الإمارات، والعمل بالمجال الأسري؛ أدركت أن هناك فئات تحتاج إلى أكثر من الدعم الاجتماعي، فتحتاج إلى احتواء، وأمان، واستقرار. إن مجال الإيواء والرعاية، تحديداً، جذبني؛ لأنه يمثل الخط الأول في حماية الإنسان، ولأن اللحظة الأولى لاستقبال الحالة الإنسانية قد تُغيّر مسار حياتها بالكامل؛ لقد شعرت بأن وجودي في هذا المجال قد يصنع فرقاً حقيقياً، ومستداماً.
-
سعاد الزدجالي: أحمل رسالة وطني إلى العالم
ما أهم الصفات والمهارات الشخصية، التي يجب أن تتحلى بها المرأة القيادية، التي تتعامل مع الحالات الإنسانية كافة؟
أهم الصفات والمهارات، التي يجب أن يتحلى بها مَنْ يتولى قيادة التعامل مع الحالات الإنسانية الحساسة، بشكل عام، أن يمتلك: الاتزان العاطفي، والقدرة على اتخاذ القرارات تحت الضغوط، والتعاطف الواعي، وليس العاطفة المطلقة، والحزم المبني على قيم إنسانية، والذكاء الاجتماعي، وإدارة الفرق، والمرونة والقدرة على التكيف مع الحالات المتغيرة. إن القيادة، في هذا المجال، ليست إدارة فقط، بل احتواء، ورؤية، ومسؤولية أخلاقية.
في إدارة الحالات المعقدة.. كيف توازنين بين الجانبَيْن العاطفي والإنساني، وبين الحزم والمهنية؟
التعاطف لا يتعارض مع الحزم؛ فأنا أتعاطف مع الحالة، لكنني أحتكم إلى اللوائح، والأنظمة؛ لضمان العدالة، وحماية الجميع؛ فأستمع بقلب، وأقرر بعقل. والحزم هنا ليس قسوة، بل حماية للمستفيد، وللفريق، وللجهة.
تعاملكِ مع الحالات المختلفة قد يترك أثراً في شخصيتكِ.. كيف تواجهين هذا الأمر؟
هذا العمل، بلا شك، يترك أثراً نفسياً عميقاً؛ لذلك أحرص على التفريغ الإيجابي، من خلال ممارسة التأمل والتفكر، والفصل الواعي بين العمل، والحياة الشخصية، والتركيز على قصص النجاح التي تمنحني طاقةً للاستمرار. كما أن الإيمان برسالة عملي يمنحني قوة داخلية؛ لتجاوز أي أثر نفسي.
تحدٍّ شخصي
ما التحدي الشخصي الأكبر، الذي واجهكِ منذ توليكِ رئاسة هذا القسم، وكيف صقل رؤيتكِ العملية؟
أكبر تحدٍّ كان إدارة منظومة تعمل على مدار الساعة، وتضم حالات حساسة، وفرق عمل متعددة التخصصات، مع ضرورة ضمان الأمان، والجودة، والالتزام بالأنظمة في كل لحظة. هذا التحدي علمني أن القيادة ليست منصباً، بل مسؤولية يومية، وأن بناء الصفَّين: الثاني والثالث، وتمكين الفريق، مفتاح الاستدامة. كما عزز لديَّ رؤية استراتيجية، تقوم على التخطيط الاستباقي، ولا تنتظر ردّات الفعل.
هل هناك حالة أثرت فيكِ، بشكل كبير، ولا تزالين تذكرينها؟
الموقف، الذي لا أنساه، كان مع طفلة فقدت والدتها؛ حين دعتني - في أحد الأيام - إلى حضور احتفال «يوم الأم» في مدرستها. عندما دخلت القاعة ورأتني؛ ابتسمت واقتربت لتعانقني، وقالت: «قلت لزميلاتي إن أمي سوف تأتي.. شكراً لأنك أتيت عشان ما أنحرج أمامهم». في تلك اللحظة، أدركت أن وجودي لم يكن مجرد حضور، بل كان دعماً معنوياً لطفلة أرادت أن تشعر بأنها مثل بقية الأطفال. هذه اللحظة بقيت في ذاكرتي، لأنها تذكّرني، دائماً، بأن العمل الإنساني قد يبدأ، أحياناً، بتفاصيل صغيرة لكنها تصنع أثراً كبيراً.
كونكِ امرأة إماراتية في مجال الإيواء والرعاية الإنسانية.. ماذا يعني لك هذا الأمر؟
هذا الأمر يعني لي الكثير؛ حيث أشعر بأنني أحمل رسالة وطني الإنسانية إلى العالم. فالإمارات آمنت بتمكين المرأة، واليوم نترجم هذا التمكين إلى أثر ملموس في حياة الناس من خلال: العمل الميداني، وتعزيز الأمان، ودعم الفئات الأكثر احتياجاً. إن النهج الإنساني الذي قامت عليه الدولة يشكل أساس عملنا، حيث يظل الإنسان محور الاهتمام والتنمية. ومن هذا المنطلق نستمد قيمة العطاء، ونسعى إلى ترجمتها في المبادرات والخدمات، التي نقدمها بمجال الإيواء والرعاية؛ لأن العمل الإنساني ليس مسؤولية وظيفية، بل رسالة وطن نفخر بالانتماء إليه.
اليوم.. ما الرسالة، التي ترغبين في إيصالها إلى كل امرأة؟
رسالتي لكل امرأة: لا تستهيني بقدرتك على التأثير؛ فقوتك ليست في منصبك، بل في رسالتك. وكل عمل يُبنى على نية صادقة؛ سيصل أثره إلى أبعد مما تتوقعين. والمرأة الإماراتية، اليوم، ليست فقط شريكة في التنمية، بل صانعة أثر، وقصة نجاح مستمرة.
خلال رحلتك هذه.. حدثينا عن دور الأسرة ودعمها، وأثر هذا الدعم في مسيرتك!
خلال هذه الرحلة، كان لأسرتي دور كبير في دعمي ومساندتي، وعلى رأسهم زوجي الشريك الحقيقي في هذه المسيرة، وأبنائي الذين يمثلون مصدر إلهام واستقرار في حياتي. إن وجود أسرة تفهم طبيعة العمل الإنساني، وما يتطلبه من مسؤولية والتزام؛ يمنحني طاقة إيجابية كبيرة؛ لأداء رسالتي بهدوء وثبات. إن القيادة الحقيقية لا تقوم فقط على النجاح المهني، بل على وجود بيئة أسرية داعمة، تمنح الإنسان القوة؛ ليقدم أفضل ما لديه إلى مجتمعه.