رحلة الأمن الغذائي الإماراتي من المزرعة إلى المائدة
#منوعات
ياسمين العطار اليوم 11:00
في ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تكتسي الأسواق حُلة من الألوان الطازجة.. تبدأ الحكاية في المزارع؛ حيث تُقطف الخضروات والفواكه في ذروة نضجها، وتُجمع بعناية في توقيتها المثالي؛ لتشرع في رحلة قصيرة زمنياً، لكنها غنية بالدلالات، وتختزل خبرات متراكمة، وجهوداً مستمرة، وتُكرّس حضور الإنتاج المحلي كخيار موثوق، يجمع بين الجودة، والقدرة على تلبية احتياجات السوق. إنها قصة امتداد لرؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي آمن بأن الصحراء قادرة على الإزهار، ضمن مشروع وطني متكامل، متحدياً ندرة المياه، وملوحة التربة، وقسوة المناخ؛ ليؤسس قاعدة زراعية حديثة، ومستدامة، تعزز الأمن الغذائي. اليوم، ومع تجاوز عدد المزارع في الدولة الـ38 ألف مزرعة، يتجلى هذا الإنجاز في اتساع الإنتاج المحلي، وقدرته المتنامية على تغذية الأسواق بكفاءة واستقرار، في ظل نهج تنموي راسخ لقيادة رشيدة تضع الإنسان، وأمنه، في قلب أولوياتها.
-
رحلة الأمن الغذائي الإماراتي من المزرعة إلى المائدة
الزراعة في قلب الابتكار
شهد القطاع الزراعي الإماراتي نقلة نوعية؛ بفضل توظيف التكنولوجيا في كل مراحل الإنتاج. فالزراعة المائية أسهمت في تحقيق إنتاجية عالية للمحاصيل مع ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية، بينما وفرت «البيوت المحمية» منتجات طازجة على مدار العام، ما ساهم في استقرار الإمدادات الغذائية، وتعزيز حضور المنتجات المحلية في الأسواق. كما برزت مشاريع «الزراعة العمودية» كحلول مبتكرة، تمكن من زراعة المحاصيل في بيئات مغلقة، تتحكم بدقة في عناصر النمو؛ لضمان جودة عالية، واستهلاك أقل للمياه والطاقة. إلى جانب ذلك، تولي الدولة اهتماماً كبيراً للزراعة العضوية، التي تعتمد أساليب طبيعية، وتحد من استخدام الأسمدة والمبيدات الكيميائية، ما يعزز استدامة التربة، ويجسد التزام الإمارات بابتكار منظومة إنتاج غذائي واعٍ بيئياً.
المنتجات المحلية.. حضور واسع في الأسواق
بالتوازي مع التطور التقني، شهدت المنتجات المحلية انتشاراً واسعاً في الأسواق، مدعومة بجودتها العالية، وتنوعها. وتشمل مجموعة واسعة من الخضروات والفواكه المحلية، التي تغطي نسبة متنامية من احتياجات السوق، إلى جانب استمرار زراعة النخيل، وإنتاج التمور، التي تحظى بسمعة عالمية. كما برزت مبادرات نوعية؛ لتطوير محاصيل استراتيجية، مثل زراعة القمح، ما يعكس قدرة البيئة المحلية على دعم الاكتفاء الذاتي، وتنوع مصادر الغذاء، ويجسد التوازن بين الجودة والاستدامة.
دعم المزارعين.. شراكة وطنية للأمن الغذائي
يشكل دعم المزارعين أحد الأعمدة الأساسية في استراتيجية تطوير القطاع الزراعي بالدولة، حيث وفرت الجهات الحكومية منظومة متكاملة من المبادرات والخدمات، تشمل: الإرشاد الزراعي، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعمة، وتشجيع استخدام التقنيات الحديثة، إلى جانب إطلاق تطبيقات ذكية، تسهّل إدارة الإنتاج بكفاءة، وتقدم تسهيلات مالية؛ لتخفيف الأعباء التشغيلية، وتعزيز استدامة المزارع الوطنية. هذه الجهود لا تمثل دعماً للمزارعين فحسب، بل تشكل جزءاً من استراتيجية وطنية أشمل؛ لتعزيز الأمن الغذائي، تشمل مبادرات وطنية، مثل: النظام الوطني للزراعة المستدامة، والبرنامج الوطني «ازرع الإمارات»، تهدف إلى بناء منظومة مرنة، قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية، بما في ذلك: التغيرات المناخية، وارتفاع الطلب على الغذاء، وتعمل على إشراك المجتمع في تعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع الرقعة الخضراء.
-
رحلة الأمن الغذائي الإماراتي من المزرعة إلى المائدة
الزراعة المنزلية.. ثقافة مجتمعية
لم تقتصر جهود الدولة على المزارع التجارية، بل امتدت لتشجيع المجتمع على الزراعة المنزلية، والمجتمعية. فقد أطلقت المبادرات عدداً من البرامج، التي تحفز الأسر على استغلال المساحات المنزلية؛ لزراعة الخضروات والنباتات المثمرة، ما يعزز ثقافة الإنتاج المحلي، ويزيد الوعي البيئي، ويشجع الأجيال الجديدة على تبني مفاهيم الاستدامة، إلى جانب تقليل البصمة الكربونية المرتبطة بنقل الأغذية، والمساهمة في سد جزء من احتياجات الأسر اليومية من المنتجات الزراعية، ونشر وتعزيز مفهوم المدن المستدامة.
مستقبل واعد
تواصل دولة الإمارات الاستثمار في القطاع الزراعي باعتباره ركناً حيوياً للأمن الغذائي، والتنمية المستدامة، عبر العمل على تطوير بنيته التحتية، وتشجيع البحث والتطوير فيه، وإنشاء أسواق جديدة ومستدامة للمنتجات الزراعية المحلية، وتعزيز التعاون الدولي، من أجل تحويله إلى قوة دافعة للاقتصاد الوطني. ومع تزايد الاعتماد على الابتكار والتكنولوجيا الزراعية، وتنامي الشراكات بين القطاعَيْن الحكومي والخاص، تبدو آفاق هذا القطاع واعدة، حيث تم بناء منظومة غذائية متكاملة، تؤكد قدرة الدولة على مواجهة التحديات الغذائية العالمية.
قصة نجاح وطنية
إن الزراعة الإماراتية ليست مجرد إنتاج غذائي، بل قصة نجاح وطنية، تجمع بين الرؤية الاستراتيجية، والابتكار المستدام، والتعاون الحكومي والمجتمعي؛ لتضع دولة الإمارات في مصاف الدول الرائدة بمجال الأمن الغذائي، وتجسد التزامها بتحويل كل تحدٍّ إلى فرصة لتحقيق التنمية، والازدهار، للأجيال القادمة.