إيمان بوشليبي: المكتبة نافذة القارئ إلى العالم
#ثقافة وفنون
ياسمين العطار اليوم 10:00
بين رفوف المكتبات، تختبئ آلاف الحكايات، تنتظر قارئاً يفتح كتاباً؛ ليطلّ - عبره - على عوالم وتجارب إنسانية عدة. ومع التحولات المتسارعة في طرق الوصول إلى المعلومات، تواصل المكتبات دورها في وصل الكتاب بالقارئ، مع الحفاظ على جوهرها الثقافي، والمعرفي. وبمناسبة اليوم العالمي للكتاب، الذي يوافق 23 أبريل، من كل عام، التقت «زهرة الخليج» إيمان بوشليبي، مديرة إدارة مكتبات الشارقة العامة؛ لتتحدث عن المكتبة اليوم، ودورها في مواكبة هذه التحولات، وكيف يمكن للقراءة أن تبقى جسراً للنمو، والمعرفة:
-
إيمان بوشليبي: المكتبة نافذة القارئ إلى العالم
في زمن الشاشات السريعة.. ما الذي يمنح الكتاب قوته، وكيف تغيرت المكتبة في وعي المجتمع، اليوم؟
رغم الإيقاع المتسارع للمنصات الرقمية، إلا أن تأثير الكتاب يظل مختلفاً؛ لأنه يمنح القارئ مساحة للتعمق والتأمل، وبناء علاقة شخصية مع المعرفة، وتوسيع الخيال، والقدرة على التحليل. فالمكتبات الحديثة لم تعد مجرد مستودع للكتب، بل أصبحت مراكز مجتمعية حيوية، فأراها «المكان الثالث» بعد المنزل، والعمل، حيث يمكن للناس الالتقاء والمشاركة في ورش عمل، وندوات وفعاليات ثقافية. ومن هذا المنطلق، نحرص على أن تكون المكتبة مساحة آمنة للجميع، ومُرَحِّبة بهم، مع مجموعات كتب بلغات عدة، وفعاليات تحتفي بالتنوع، ومساحات للأطفال والشباب وكبار السن، مع مراعاة احتياجات أصحاب الهمم، لتتمكّن المكتبة من تقديم تجربة متكاملة، تلبي احتياجات المجتمع: المعرفية، والثقافية، والاجتماعية.
متعة.. وتشويق
من خلال خبرتكِ.. متى يبدأ شغف القراءة لدى الطفل، وما دور الأسرة في ذلك؟
يبدأ شغف القراءة منذ سن مبكرة جداً، حتى قبل تعلم الطفل القراءة بنفسه. فالاستماع إلى القصص، ومشاهدة الصور، يغرسان الفضول وحب المعرفة. وتلعب الأسرة دوراً محورياً عبر روتين يومي محفز، وتكمل المكتبة هذا الجهد بمصادر متنوعة، وبرامج قراءة تفاعلية، تجعل التجربة ممتعة ومشوقة.
ماذا عن المبادرات، التي لمستِ أثرها في جذب الشباب إلى المكتبات؟
جذب الشباب لا يقتصر على الدعوة إلى القراءة، بل عبر برامج تربط المعرفة بالهوية والثقافة والتجربة اليومية. وكمثال على ذلك، معرض «الشعر الشعبي»، الذي أعاد تقديم التراث بأسلوب معاصر، استقطب أكثر من 5000 زائر، خلال أسبوعين. وكذلك «معرض التخصصات الجامعية»، الذي نما من فعالية محدودة إلى منصة إرشادية ل6300 طالب هذا العام؛ لدعم خياراتهم التعليمية. إلى جانب مبادرات، مثل «كتاب تحت الضوء»؛ لتعزيز الحوار الثقافي والنقدي مع الكتّاب والمفكرين، وبناء علاقة أعمق بين الشباب والكتاب، وتشجيعهم على القراءة الواعية.
كيف تسهم القراءة في بناء الهوية الشخصية والثقة بالنفس، وهل هناك تغير في نوعية الكتب المطلوبة اليوم؟
القراءة توسع مدارك الفرد، وتعزز قدرته على تعميق فكره، وفهم ذاته ومحيطه، وتمنحه أدوات التعبير، واتخاذ القرار بثقة. أما تغير نوعية الكتب، فيظهر بوضوح، من خلال الاهتمام المتزايد بالصحة النفسية، والتطوير الذاتي، وأدب الأطفال، مقابل تراجع الطلب على بعض المراجع التقليدية كالقانونية أو التقنية المطبوعة، ما يعكس وعي المجتمع بأهمية الرفاه النفسي وتنمية الطفل، والانتقال جزئياً إلى المصادر الرقمية، التي أصبحت بديلاً عن التقليدية. والمكتبة، هنا، ليست مجرد مساحة للإعارة، بل منصة لتوجيه الاهتمامات الثقافية، وتوسيع آفاق القراء.
كيف ترين مستقبل المكتبات في ظل التحول الرقمي؟
مستقبل المكتبات يكمن في التكامل مع التكنولوجيا، وليس في منافستها. والتحول الرقمي فرصة؛ لتوسيع نطاق الخدمات، والوصول إلى جمهور أكبر، من خلال الفهارس الإلكترونية، والإعارة الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. إن المكتبة الحديثة جسر بين التراث والحداثة، وبين الكتاب المطبوع، والعالم الرقمي.
-
إيمان بوشليبي: المكتبة نافذة القارئ إلى العالم
مسؤولية شخصية
ما رسالتك إلى من لم يكوّن علاقة حقيقية مع القراءة، وأي كتاب أثر في رحلتك؟
أدعو كلَّ من لم يكتشف متعة القراءة إلى منح نفسه الفرصة؛ لتجربة هذا العالم. لا توجد طريقة واحدة صحيحة للقراءة، ابدأ بما يثير فضولك، سواء رواية خيالية، أو كتاب تاريخ، أو سيرة ذاتية ملهمة. فالمكتبة بوابتك إلى هذا العالم، حيث آلاف الأصدقاء على رفوف الكتب، مستعدون لمشاركتك قصصهم وأفكارهم. أما الكتاب الذي أثر في رحلتي، فهو «Skin in the Game: Hidden Asymmetries in Daily Life»، لنسيم نقولا طالب. يقدم هذا الكتاب رؤية أخلاقية وعملية عميقة، مفادها أن المعرفة الحقيقية، والقرارات الصائبة، لا تأتي من النظرية وحدها، بل من الذين يخاطرون، ويعيشون التجربة. كما يركّز على العدالة والنزاهة، بأن الذي يجني المكافأة، يجب عليه أن يتحمل بنفسه الخسارة المحتملة. باختصار.. إنه دعوة للعودة إلى المسؤولية الشخصية، والتماثل بين القول، والفعل.
أخيراً.. ماذا تعني لكِ عبارة: «نقرأ.. فننمو»؟
على المستوى الشخصي، أراها جوهر فلسفة حياة. فالقراءة - بالنسبة لي - عملية نمو مستمرة. والنمو الذي تمنحه القراءة ليس نمواً معرفياً فحسب، بل نمو إنساني شامل، يجعلنا أكثر حكمةً، وتعاطفاً، وفهماً للحياة. إنها رحلة لا تنتهي من الاكتشاف والتطور، وأنا ممتنة لكل لحظة قضيتها بصحبة كتاب.