عادات الأزواج السعداء.. وصفاتهم
#تنمية ذاتية
لاما عزت اليوم
بمرور السنوات، تتحول العلاقات الزوجية من مرحلة الحماسة والاكتشاف إلى مرحلة أكثر هدوءاً واستقراراً. لكن الاستقرار وحده لا يعني، دائماً، أن العلاقة لا تزال حيّة، أو تنمو بالعمق نفسه الذي بدأت به. فبين الزواج الذي يكتفي بالبقاء، والزواج الذي يستمر في الازدهار، مساحة دقيقة تصنعها العادات اليومية، وطريقة التواصل، والقدرة على التعامل مع الضغوط، والتحولات، التي تفرضها الحياة.. في هذا الملف النفسي، يوضح مينا شفيق، الأخصائي النفسي الإكلينيكي، المتخصص في علاج البالغين والعلاج الزوجي في عيادات «سيج»، أن كثيرين يخلطون بين هدوء العلاقة، وبين صحتها العاطفية، بينما الحقيقة أن الازدهار في الزواج لا يحدث تلقائياً، بل يتطلب وعياً وجهداً مقصودين من الطرفين؛ للحفاظ على نمو العلاقة عبر السنوات. فالعلاقة المزدهرة ليست تلك الخالية من التحديات، بل التي يمتلك فيها الشريكان القدرة على الحوار الصادق، وبناء الأمان العاطفي، وتحويل الاختلافات إلى مساحة للفهم لا للصراع. ومن خلال قراءة نفسية عميقة لديناميكيات العلاقات طويلة الأمد، يسلّط الدكتور مينا الضوء على الفرق بين الزواج المستقر، والزواج المزدهر، والعادات الصغيرة التي تميز الأزواج السعداء، وكيف يمكن للعلاقة أن تبقى حيّة ومتجددة، رغم ضغوط الحياة، والروتين، واختلاف الطباع.
-
عادات الأزواج السعداء.. وصفاتهم
الزواج المستقر.. أم المزدهر؟
يشرح الأخصائي النفسي الإكلينيكي أن الفرق بين الزواج المستقر، والزواج المزدهر، لا يتعلق بغياب المشكلات أو حضورها، بل بطريقة تعامل الزوجين مع العلاقة نفسها. فالكثيرون من الأزواج يربطون الازدهار بحماسة البدايات. بينما، في الواقع، هو نتيجة استثمار واعٍ، ومستمر من الطرفين.. يقول: «العلاقة المزدهرة هي تلك التي يواصل فيها الشريكان التعرف إلى بعضهما بوعي، ويتحدثان بصراحة عن مخاوفهما وتوقعاتهما، ويبحثان باستمرار عن أرضية مشتركة للنمو. أما العلاقة المستقرة، فتتكوّن، غالباً، بعد زوال حداثة البداية، حيث يحافظ الزوجان على الوضع القائم، وقد يتجنبان الخلاف، بدل مواجهته». وهذا النوع من الاستقرار ليس بالضرورة غير صحي، لكنه قد يتحول، تدريجياً، إلى علاقة تعتمد على ردّ الفعل أكثر من المبادرة.
زواج مثالي ظاهرياً.. متوقف عاطفياً
يشير الأخصائي مينا شفيق إلى أن بعض العلاقات تبدو ناجحة من الخارج، بحياة منظمة، ومسؤوليات مشتركة، وغياب واضح للخلافات. لكن خلف هذا الهدوء الظاهري قد تختبئ حالة من الجمود العاطفي.. يبين: العلاقة قد تبدو مستقرة ظاهرياً، بينما تكون متوقفة داخلياً؛ لأن التركيز ينصبّ على الحفاظ على الاستقرار، بدل السعي إلى النمو. وفي هذه الحالة، يستمر الزوجان في حياتهما اليومية، لكن تطور العلاقة يصبح نتيجة الظروف، وليس نتيجة جهد واعٍ. أما العلاقات، التي تستمر في النمو، فتتميز بمؤشرات واضحة، منها: الصراحة في الحديث، ومشاركة المشاعر، ومواجهة الخلافات بطريقة بنّاءة، والحرص على تخصيص وقت للعلاقة نفسها. ويؤكد أن العنصر الحاسم، هنا، هو القصدية، فالنمو لا يحدث صدفةً.
الازدهار ممارسة.. وليس شعوراً
من الأخطاء الشائعة في العلاقات، كما يوضح الأخصائي مينا شفيق، اعتقاد أن المبادرة داخل الزواج يجب أن تأتي عندما يكون الشعور مناسباً. لكن الواقع النفسي للعلاقات أكثر تعقيداً.. يشرح: إن الأفكار والمشاعر والسلوكيات تؤثر في بعضها بشكل مستمر؛ لذلك ينتظر كثيرون الشعور المناسب قبل القيام بخطوة بسيطة، مثل: تنظيم موعد مع الشريك، أو تخصيص وقت للحديث. وبمرور الوقت، تتباعد هذه اللحظات حتى تختفي. ويضيف: «في العلاقات المزدهرة لا ينتظر الزوجان، دائماً، الشعور المناسب، بل يبادران بالفعل أولاً، وغالباً تأتي المشاعر لاحقاً نتيجة هذه المبادرة».
-
عادات الأزواج السعداء.. وصفاتهم
الركود العاطفي.. متى يصبح مقلقاً؟
يؤكد الأخصائي النفسي الإكلينيكي أن فترات الركود العاطفي ليست أمراً غير طبيعي. فكما يسعى الجسم إلى التوازن، تمر العلاقات، أيضاً، بمراحل من النشاط، وأخرى من الهدوء. لكن الركود يصبح مؤشراً مقلقاً؛ عندما يتحول إلى وسيلة لتجنب المشكلات. فالقضايا التي لا تُناقش تبقى موجودة في الخلفية، وتتراكم بصمت، حتى يأتي موقف بسيط؛ ليطلق رد فعل مبالغاً فيه. ويشير إلى أن إعادة إحياء العلاقة لا تتطلب تغييرات جذرية دائماً، بل قد تبدأ بخطوات بسيطة، مثل: كسر الروتين، أو تجربة نشاط جديد معاً، أو تخصيص وقت منتظم؛ للحديث عن حال العلاقة نفسها.
عادات صغيرة تصنع الفرق
يشير الأخصائي مينا شفيق إلى أن الأبحاث النفسية حول العلاقات، ومن بينها دراسات الباحث الأميركي جون غوتمان، تؤكد أهمية ما يسمى «طقوس التواصل»، وهي لحظات متكررة، يحافظ فيها الزوجان على مساحة خاصة لعلاقتهما. وقد تكون هذه الطقوس كبيرة كاحتفال سنوي خاص، أو بسيطة كالمشي معاً، أو تناول العشاء دون استخدام الهواتف، أو تخصيص وقت يومي للحديث. وقوة هذه العادات تكمن في أنها تمنح شعوراً بأن العلاقة لها مكانها الخاص وسط ضغوط الحياة. كما يلعب الامتنان دوراً أساسياً في الحفاظ على الرابط العاطفي؛ فالتعبير المنتظم عن التقدير يمنح الطرفين شعوراً بالأمان والاهتمام، خاصة في الفترات الصعبة. ويوضح أن التقدير لا يقتصر على الكلمات، بل يمكن أن يظهر في أفعال صغيرة، تعبّر عن الانتباه، والاهتمام.
الأمان العاطفي أساس العلاقة
يؤكد الأخصائي النفسي الإكلينيكي أن أحد أهم عناصر الزواج المزدهر هو الأمان العاطفي، أي شعور الإنسان بأنه يستطيع التعبير عن نفسه بصدق، دون خوف من الرفض أو الهجر.. ويقول: «إن هذا الشعور لا يتشكل دفعة واحدة، بل يُبنى تدريجياً عبر الطمأنة المستمرة، والتعبير عن الحب والاهتمام، إضافة إلى الإصغاء الحقيقي لمشاعر الشريك». كما يشير إلى أهمية الحفاظ على التوازن بين القرب والاستقلالية. فكل شخص يحتاج إلى مساحة شخصية للتأمل والنمو، وهذا لا يعني الابتعاد عن العلاقة، فهذه المساحة قد تكون عاملاً يعززها؛ عندما يتحقق التوازن بين الوقت الفردي، والوقت المشترك.
حين تختبر الحياةُ العلاقةَ
تتغير ديناميكيات العلاقة، غالباً، مع التحولات الكبرى في الحياة، مثل: الإنجاب، أو الضغوط المهنية، أو الأزمات العائلية. ويؤكد الأخصائي مينا شفيق أن الشعور بالإرهاق في هذه المراحل أمر طبيعي. لكن ما يميز الأزواج، الذين يخرجون أقوى من هذه التجارب، هو أنهم يتعاملون مع التحديات بوصفها تجربة مشتركة. فبدلاً من الانسحاب إلى التكيف الفردي، يعتمدون على الشراكة نفسها كمصدر للدعم. ويضيف أن النظر إلى الأزمة باعتبارها تحدياً يتطلب مواجهة الزوجان، معاً، يمكن أن يعمّق الثقة، ويعزز الشعور بالالتزام بينهما.
-
عادات الأزواج السعداء.. وصفاتهم
متى تصبح الاستشارة النفسية خطوة نضج؟
لا يزال الكثيرون ينظرون إلى العلاج الزوجي على أنه محاولة أخيرة؛ لإنقاذ العلاقة. لكن، الأخصائي النفسي الإكلينيكي مينا شفيق يرى أن هذه النظرة غير دقيقة. فدور المعالج النفسي، كما يوضح، ليس إقناع الزوجين بالبقاء معاً، بل مساعدتهما على تحسين طريقة التواصل بينهما. لذلك، فإن إدراك وجود صعوبة في التواصل، والسعي إلى معالجتها، يُعدان علامة نضج عاطفي.
نصائح لعلاقة مزدهرة
يقدم مينا شفيق، الأخصائي النفسي الإكلينيكي، المتخصص في علاج البالغين والعلاج الزوجي في عيادات «سيج»، مجموعة من التوصيات العملية، للأزواج الذين يرغبون في الحفاظ على علاقة صحية، ومزدهرة:
• توزيع الوقت بوعي بين: العلاقة، والعمل، والعائلة، والوقت الشخصي.
• التعبير المنتظم عن التقدير، والامتنان.
• الإصغاء الجيد قبل الرد أثناء النقاشات.
• أخذ استراحة قصيرة؛ عندما ترتفع حدة التوتر في الحوار.
• تقبّل الاختلافات؛ باعتبارها أمراً طبيعياً لا معركة يجب الفوز بها.
• البحث عن حلول، تُشعر الطرفين بالرضا، بدلاً من محاولة إثبات مَنْ منهما على حق.
وفي النهاية، يؤكد الدكتور مينا شفيق أن الزواج المزدهر لا يعني غياب المشكلات، بل القدرة على التعامل معها بطريقة تعزز العلاقة، بدلاً من إضعافها. فالحب قد يكون البداية، لكن الازدهار الحقيقي يصنعه الشريكان معاً، عبر العناية اليومية بعلاقتهما.