عائشة الطنيجي: قبل أن تضغط «نشر» وعيك القانوني يحميك
#تحقيقات وحوارات
ياسمين العطار اليوم
بلمسة واحدة تبدأ الحكاية.. على منصات التواصل الاجتماعي حول العالم، تكفي ضغطة على زر «مشاركة»؛ لينتقل الخبر إلى آلاف المستخدمين، قبل أن تتضح صورته كاملةً. ففي هذا الفضاء الرقمي، لم يعد النشر مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها، بل أصبح ممارسة يومية لكل مستخدم. ونشر خبر ما، أو إعادة نشره، قد يعززان الوضوح، أو يفتحان باباً للالتباس. هنا، يتقدّم الوعي القانوني كجزءٍ من ثقافة الاستخدام، لا كإجراء لاحق؛ فهو أداة تضبط الفعل، وتحفظ اتزانه؛ ليظل الرأي مسؤولاً. وفي هذا الإطار، تواكب القوانين الإماراتية هذا التحول برؤية متقدمة؛ تكرس حرية التعبير، وتضع حدوداً واضحة لما قد يؤدي إلى الإضرار، بما يعزز دقة المعلومة، ويحفظ استقرار المجتمع.
وراء كل «مشاركة».. أثر والتزام
توضح المحامية الإماراتية عائشة الطنيجي، في حوارها مع «زهرة الخليج»، أن التعامل مع المحتوى الرقمي لم يعد مسألة عفوية، بل ممارسة تستدعي وعياً قانونياً متزايداً، في ظل اتساع تأثير منصات التواصل الاجتماعي.. وتقول: «لم يعد النشر سلوكاً عابراً، بل أصبح مسؤولية يومية، يتحملها كل مستخدم، حتى في أبسط أشكال التفاعل». وتضيف: «القوانين الإماراتية تتعامل بجدية مع هذه الممارسات؛ فالمادة (52) من قانون مكافحة الشائعات، رقم (34) لسنة 2021، تنص على عقوبات تشمل الحبس، والغرامة، لكل مَنْ ينشر، أو يُعيد نشر أخبار كاذبة أو مضللة، خاصة إذا ترتب عليها إثارة الرأي العام، أو الإضرار بالأمن العام». وتؤكد المحامية الإماراتية: «هذه النصوص تحمل رسالة واضحة: النشر ليس فعلاً عابراً، بل تصرف له تبعات، حتى إن لم يكن القصدُ الإضرار».
-
عائشة الطنيجي: قبل أن تضغط «نشر» وعيك القانوني يحميك
ما الذي يُعرّض المعلومة للمساءلة؟
وحول ما يُعرّض المعلومة للمساءلة القانونية، توضح الطنيجي: «كل ما هو غير دقيق، أو ناقص، أو مجتزأ من سياقه، قد يصنع انطباعاً مضللاً لدى الجمهور. وعندما تفقد المعلومة دقتها، يمكن أن تتحول بسهولة إلى (مصدر بلبلة)، خاصة مع سرعة انتشارها». وتتابع المحامية الإماراتية: «من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً، اعتقاد أن إعادة النشر لا تحمل مسؤولية قانونية، وهذا غير صحيح. فالقانون لا يفرق بين مَن بدأ تداول المعلومة، وبين مَنْ ساهم في انتشارها. وبالتالي، فإن كل مشاركة تُعد فعلاً قانونياً قائماً بذاته». وتبين: «المسألة لا تقتصر على الشائعات فقط، بل تمتد إلى ممارسات يومية، مثل: نشر صور الآخرين، أو معلوماتهم الشخصية دون إذن، أو التعليق بأسلوب يحمل إساءة أو تشهيراً. فهذه التصرفات قد تبدو بسيطة، لكنها تمثل انتهاكاً للخصوصية، وتمس كرامة الأفراد؛ ما يضعها ضمن نطاق المساءلة القانونية».
خطوات واعية لدقة المعلومات
وفي ما يخص جانب الوعي الرقمي، تؤكد المحامية الإماراتية: «المستخدم الواعي لا يكتفي بقراءة العنوان، بل يبحث عن المصدر، ويتحقق من تاريخ الخبر، ويقارن بين أكثر من جهة، قبل اتخاذ قرار النشر. وقد تبدو هذه الخطوات بسيطة، لكنها تشكّل حاجزاً أولياً أمام المعلومات المضللة». وتضيف الطنيجي: «سرعة انتشار المعلومات، اليوم، تجعل الخطأ الصغير يتسع بسرعة، والتريث قبل النشر ليس تردداً، بل سلوك مسؤول، خاصة عندما تكون المعلومة غير واضحة».
بذور الوعي الرقمي في كل بيت
من زاوية أخرى، تقول عائشة الطنيجي: «الاستخدام الواعي للمحتوى يساهم في بناء بيئة رقمية قائمة على الثقة؛ فعندما يحرص الأفراد على نشر المعلومات الدقيقة؛ يصبح الفضاء الرقمي أكثر مصداقية». وتلفت إلى أهمية دور الأسرة، قائلة: «الوعي يبدأ من داخل البيت؛ فمتابعة الأبناء، والحوار معهم حول ما يشاهدونه ويشاركونه، وشرح مخاطر النشر غير المسؤول بلغة بسيطة، كلها عناصر أساسية لبناء جيل واعٍ في تعامله مع العالم الرقمي». كما تؤكد على دور الإعلام، والجهات المعنية، بقولها: «للإعلام دور محوري في تقديم محتوى دقيق ومتوازن، إلى جانب تسليط الضوء على القضايا التوعوية، كما تواصل الجهات المختصة جهودها لنشر الثقافة القانونية بأساليب مبسطة، تصل إلى فئات المجتمع كافة».
مرآة للقيم.. والمبادئ
تختم المحامية الإماراتية عائشة الطنيجي حديثها؛ قائلة: «في نهاية المطاف، الفضاء الرقمي مرآة لنا قبل أن يكون نافذة للعالم. فكل كلمة نكتبها، وكل محتوى نشاركه، وكل معلومة نعيد نشرها، كلها تحمل جزءاً من قيمنا، ومبادئنا. وعندما نمارس الاستخدام الواعي؛ نصنع تأثيراً يتجاوز الشاشات، ويربط بين الثقة والاحترام، ويزرع الشعور بالأمان في نفوس الآخرين. إن المسؤولية، هنا، ليست التزاماً بالقوانين فقط، بل انعكاس لنضجنا المعهود كمجتمع يقدّر الحقيقة، ويصون كرامة الجميع».