هدى آل علي: «صانعة جيل» أغلى وسام تتقلده ابنة الإمارات
#تنمية ذاتية
ياسمين العطار اليوم 14:00
حين نتحدث عن عمارة الأوطان، لا نبدأ من المؤسسات الكبرى، بل من تلك «البيئة الحاضنة»، التي تتشكل فيها ملامح الشخصية، وتُغرس فيها بذور الانتماء. وفي دولة الإمارات، لم تكن الأم، يوماً، مجرد راعية لشؤون المنزل، بل «حارسة القيم»، والمؤتمنة على الهوية. واليوم، يأتي مسمى «صانعة جيل»؛ ليُحدث نقلة فكرية نوعية؛ فينقل «الأمومة» من إطارها اليومي إلى دورٍ قيادي واستراتيجي، يساهم في استقرار المجتمع وازدهاره. في هذا الحوار، تُبحر «زهرة الخليج» في جوهر هذا الدور مع المستشارة التربوية الإماراتية، هدى آل علي، لنعرف كيف تمنح الأم طفلها الأمان النفسي، وكيف تحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى منهج حي، يصوغ شخصية متزنة، وواثقة.
ما دلالة اعتماد مسمى «صانعة جيل» بدلاً من «ربة منزل»، وما أثر هذا التحول في نظرة المجتمع، ووعي الأم بذاتها؟
مسمى «صانعة جيل» ليس مجرد لقبٍ مستحدث، بل فلسفةٌ عميقة، تعكس فكر قيادتنا الرشيدة، السبّاقة إلى صياغة المفردات، التي تُعيد تشكيل الوعي. فنحن أمام «رسالة»، و«رؤية»، تتماشيان مع طموحات الدولة. وبهذا المسمى، نُعزز جوهر دور الأم؛ فهي المربية، التي تستكشف مكامن القوة في أبنائها، والمرفأ النفسي الذي يصقل وجدانهم، والقائدة الملهمة التي ترسم ملامح المستقبل من قلب بيتها. هذه الرؤية منحت الأم استحقاقاً عالياً؛ فهي تدرك، الآن، أنها ليست فقط تدير المنزل، بل تدير «بقعة غالية»، تُصنع فيها نهضة الوطن.
-
هدى آل علي: «صانعة جيل» أغلى وسام تتقلده ابنة الإمارات
دستور المحبة.. والتغافل
يساهم الاستقرار النفسي للأم في جعل البيت «واحة» آمنة لبناء الطفل.. كيف ذلك؟
يرتكز البيت المتزن على وعي الأم بصفتها «مظلة» تحمي الصغار من رياح القلق؛ فالطفل يمتصُّ استقرارنا الداخلي أكثر مما يستقبل نصائحنا. وعندما تتزن الأم تمنح طفلها منهجاً يعلمه إدارة المشاعر عبر «هدوء الاستجابة»؛ ما يحميه من ارتداء أقنعةٍ سلوكية؛ لضمان سكون البيت، فينشأ على سجيته ممتلئاً بالثقة، والاستحقاق. هذا الأمان يُمارس عبر «دستور المحبة والتغافل»، وصباحات هادئة تُعيد التوازن إلى الإيقاع اليومي؛ فيُمارس الحزم كـ«ثبات للموقف» يحمي الطفل من الفوضى، وتُتجنب الشدة التي ليست سوى «تفريغ عاطفي» يكسر الثقة؛ فالبراعة تكمن في معادلة: «حزمٌ بلا تسلط، واحتواءٌ بلا تسيّب».
بين «صانعة الجيل»، و«الأب القائد».. كيف نبني بيتاً لا يُسقط ثقل التربية فيه على طرف واحد؟
هذه الثنائية تكتمل بتبادل الأدوار بذكاء، حسب مراحل نمو الطفل. ففي المرحلة التأسيسية (حتى 10 سنوات)، يكون دور الأم فعّالاً بنسبة 80%، كقدوة وبيئة حاضنة. بينما يتجسد دور الأب في كونه «الموجه، والمؤكد»، الذي يدعم استقرارها النفسي. وفي «مرحلة التمكين» (ما بعد العاشرة)، تشتد الحاجة إلى «الأب القائد» في بناء الشخصية، وتحمل المسؤولية. ولكل طرفٍ مساحته، فالأم تزرع الجذور، والأب يحمي الثمار، وبينهما ينمو جيلٌ متزن.
بصفتكِ مؤسسة مركز «ارتقاء»؛ ما طموحكِ في ظل رؤية الإمارات لتمكين الأسرة؟
نستلهم رؤيتنا من فكر الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بأن «الرجال هم من يصنعون المصانع». وطموحنا القادم هو تحويل منهجية «ارتقاء» إلى معيار معتمد لتمكين الوالدين؛ لتمتلك كل أم أدوات قياس ذكية لنمو طفلها سلوكياً. ونسعى لجعل «الأمان النفسي» العملة الأساسية في كل بيت، كما نعمل حالياً على بناء منظومة استراتيجية، تستهدف الصفوف الأولى في المدارس، بالتعاون مع الجهات المختصة؛ لتمهيد الطريق لجيل يعتز بجذوره، ويمتلك مهارات مستقبلية.
بعيداً عن العمل والاستشارات.. كيف تمنحين نفسكِ «عطلة نفسية»، خلال العيد؟
أول أيام العيد مخصص بالكامل لأبنائي؛ فـ«الهاتف» يظل في عالمه الخاص؛ لأستمتع بهواياتي، ومنها: القراءة، والرياضة، وتدوين مذكراتي، ودائماً أكافئ نفسي بجلسة استرخاء، أو لحظة تأمل أمام البحر مع كتابي المفضل. هذه اللحظات صممتها لنفسي عبر 20 عاماً؛ لأنني أدرك أن كل «استراحة» قفزة جديدة نحو الإبداع.
«عاطفة فطرية».. و«رسالة تربوية»
كيف تعززين الترابط العائلي، من خلال المواقف اليومية، وأجواء الأعياد؟
بناء الإنسان يكمن في تفاصيلنا الصغيرة؛ فـ«العيدية»، مثلاً، تجربة للطفل في (اتخاذ القرار المالي)، والزيارات الاجتماعية «مدرسة السنع»، التي تمنحه الانتماء بعيداً عن عزلة «العالم الافتراضي». وخلال العيد، تحديداً، أخلع «قبعة الآمر»؛ وألبس «قبعة الصديقة»؛ لأشارك أبنائي اهتماماتهم كالرياضة، أو الألعاب الإلكترونية؛ لرفع استحقاقهم النفسي، ولا أنسى «حضن العيد» العميق، الذي يفرز هرمونات السكينة، ويُشعر الطفل بأنه أهم من كل شاغل. هذه الرؤية نمت بداخلي مع أمومتي؛ ونضجت وتحولت من «عاطفة فطرية» إلى «رسالة تربوية» منذ إنشاء «ارتقاء»؛ فيصبح البيت بقعة ضوء، وبداية حقيقية لبناء الوطن.
ما رسالتكِ إلى كل «صانعة جيل»؟
أقول: إن التربية استثمارٌ طويل الأمد؛ فكُوني «الجسرَ» الذي يعبر عليه طفلكِ بثقة، ولا تكوني «الحاجز». وتذكري أن لقبكِ «أغلى وسام» تتقلده ابنة الإمارات؛ فبيديكِ تُصقل شخصية «ابن الإمارات»؛ ليستمر في مسيرة العز، والارتقاء.