لولوة المنصوري تكتب: ماذا بعد البحر؟!
#مقالات رأي
لولوة المنصوري اليوم
كأيّ طفلٍ حالم بما بعد البحر، يطرح أسئلة حُرّة، وبريئة، وكونية، ومفتوحة كالمدى، كأفق أزرق.. بكْر.. صافٍ!
في طَوْر النشأة والتبرعم في الطبيعة.. كانت أسئلتي عن البحر تفتح للمخيلة أبوابًا «سندبادية».. وجزرًا بعيدة.. ومرافئ للدهشة.. وعوالم للكشف والسفر الداخلي، عوالم لا تنتهي.. كأن البحر هو السؤال الأول للخيال البشري كله.
ماذا بعد البحر؟!
سؤال بريء، ووجوديٌّ، مكرر منذ أزمنة الطفولة الأولى، يشبه أسئلتي الأخرى، مثل: ماذا لو حفرت الأرض إلى آخرها؟.. وماذا لو واصلت السير في خط مستقيم بلا توقف؟
ومع تراكم غبار السنين على الأفكار، وبين زحام التوتر.. سيحدث «الانكسار الهادئ» في «السؤال الخيالي العتيق»؛ لتأتي المعرفة والحقيقة تدريجياً، وتبعاً لأطوار النمو الطبيعي، مُزيحةً سحر «الغموض الشفاف» عن ذلك «الأفق الغائب» في المجهول، خلف الغروب البحري «الجلفاري».. فكم تبدو الحقيقة باهتة؛ حين تهزم الخيال!
ليت البحر بقي ممتدًا بلا نهاية!.. ممتدًا بلا ضفة أخرى، أو يابسة بلا «مرافئ للأذى»، بلا ميناء مصوغ بعناية للقسوة، والصراع!
البحر يا سيدي لا ينتهي إلى الفراغ.. فوراء كل أفق ضفة أخرى، وميناء آخر، وبلدة أخرى لا تشبه «خرائط الطفولة». لكن مَنْ يسكن هناك؟!.. وما الذي يختبئ خلف ذلك الامتداد الأزرق، الذي منحناه كل هذا الصفاء؟!
كم هي محزنة بعض المعارف!.. وكم هو مؤلم انهيار الخيال والاحتمال؛ حين تصطدم البراءة بالجغرافيا، والسياسة، والواقع البشري!
إن بعض الجهات الأخرى لا تحمل «دهشة السندباد»، بل تحمل وجهًا قاسيًا للعالم، فهي مكان للجيرة الكاذبة، والمؤامرات الرخيصة، والاستنزاف البطيء، الذي يأكل الروح، كما يأكل الملح أطراف السفن القديمة.. مكان يُتقن ارتداء الأقنعة، ويُلوّح بالمحبة، بينما يُخفي في مرافئه نيات معتمة!.. مكان لا يرى البحر نافذةً للحلم، وذاكرة للؤلؤة، ونهمة للمراكب!.. مكان يتربص فقط بمكاننا، ويرى فينا معبرًا للطمع الواسع، ومسرحًا للهيمنة، وممرًا للأذى العابر للحدود!
ومع ذلك، ظلَّ بداخلي طفلٌ عابر لحدود السؤال، يحتفظ بذلك «الحلم البحري القديم»، أن يكون هناك في آخر الزرقة بحرٌ آخر يستحق الخيال، وكل هذا التحديق الطويل!
ماذا بعد البحر؟!
ما بعد البحر بِحَارٌ، موصولة ببِحَارٍ، وسفنٌ حُرّة بلا ربابنة، تواصل الإبحار بلا نهاية، ورياح هادئة، وبَحّارٌ قديم برفقة حبيبته، لا ينويان الوصول إلى اليابسة!.. وحكايات وصور ومياه خالدة.. وللبحر ظلٌّ أيضًا، أبديٌّ ممتد بلا نهاية، مشى عليه الأولياء. وبكلمة.. أمشي عليه، ولا أدري متى سأصل!.. ومع أي بحر سأتصل!