«حارسات الذاكرة» أنامل تنسج حكاية وطن
#منوعات
ياسمين العطار اليوم 12:00
بين زوايا بيوتنا، التي تحمل أصالتنا بين جدرانها، رغم حداثة عصرنا.. تكمنُ حكايةُ «وطن» لم يكتفِ بمعانقة طموحات المستقبل، بل ظلت جذوره ضاربةً في عمق التاريخ؛ فما نعيشه اليوم من نهضة استثنائية، ما هو إلا ثمرة يانعة لغرسِ أجدادنا، الذين تركوا لنا إرثاً لا يقدّر بثمن. وفي يوم المرأة الإماراتية، لا نحتفي فقط بإنجازاتها العالمية، بل نلتفتُ إلى «حارسات الذاكرة»؛ إلى «الجدات» اللواتي اخترن أن يكنَّ «حلقة الوصل»، فيحفظن الهوية، ويصغنَ من صبرهنّ، وبأيديهنَّ الماهرة، حكاية وطن دائم الإبداع، والتفرد.. وفي مركز الصناعات التراثية والحرفية، التابع للاتحاد النسائي العام، التقت «زهرة الخليج» نخبةً من هؤلاء «الحاميات»، اللواتي يحملن الإرث في قلوبهن، ويحولنه إلى ممارسة متجددة، تُثري تفاصيل حياتنا.
-
«حارسات الذاكرة» أنامل تنسج حكاية وطن
شيخة المنصوري: االتليب نبض الأصالة في خيوط الحرير
لا يمكن أن نتحدث عن الأناقة الإماراتية، دون الوقوف عند «التلي».. الوالدة شيخة المنصوري ترى في «التلي» أكثر من مجرد خيوطٍ متداخلة؛ فهي تراه «حكايةً ممتدة» من الأصالة؛ فتحكي كيف كانت النساء، قديماً، يتفننّ في نسج خيوط الحرير مع خيوط الذهب، والفضة، فهذه الحرفة تتطلب دقةً متناهية، وتركيزاً عالياً، يعكسان رهافة ذائقة المرأة الإماراتية، وحسها الإبداعي، وقدرتها على تطويع الخيوط؛ لتغدو لوحاتٍ فنية، تزدان بها الأثواب. هذا الإرث الجمالي، الذي تتقنه الوالدة شيخة اليوم، يحمل في طياته عبق التراث؛ فهي لا تحيك خيوطاً فحسب، بل تحيكُ ذكرياتٍ، وقيماً. وبالنسبة لها، هذه الحرفة وسيلة لنقل «الحب»، فهي تعلّم الفتيات أن كل غرزةٍ في «التلي» رسالةٌ تعزز هويتنا، وتؤكد أن الجمال والرقيّ هما جوهر الشخصية الإماراتية.
-
«حارسات الذاكرة» أنامل تنسج حكاية وطن
كلثم المنصوري: اسبوق الطيرب عهدُ الوفاء بين الإنسان والصقر
ترى الوالدة كلثم المنصوري، في حرفة صناعة «السبوق» (الرباط الذي يُستخدم للصقور)، أكثر من مجرد مهارة يدوية؛ فتعتبرها «عهداً» يحفظ الرابط الأزلي بين الصقر، وصاحبه.. وتتحدث الوالدة كلثم عن هذه الحرفة بتقديرٍ كبير، فتبين أنها تتطلب دقةً متناهية؛ لأنها أداة الحفاظ على الصقور في رحلات الصيد، والتنقل.. وتقول: «صناعة (السبوق) لغة تواصل مع الزمن الجميل، فكل عقدة أربطها، وكل قطعة أعدّها، أحمل فيها إرث أجدادي، الذين لم يفصلهم شيءٌ عن صقورهم». واليوم، تواصل الوالدة كلثم هذا الفن بحِرَفية عالية؛ للحفاظ على المقاييس التقليدية التي توارثتها، مؤكدةً أنَّ كل «سبوق»، تخرجه يداها، جزءٌ من هويتنا، التي تعتزُّ بـ«الصقارة»، وتُثبتُ أنَّ المرأة الإماراتية كانت، ولا تزال، شريكةً في صَوْن تقاليدنا العريقة، وتضعُ لمستها في أدق تفاصيل موروثنا.
-
«حارسات الذاكرة» أنامل تنسج حكاية وطن
شيخة عبيد: نقوش االحناءب تخط حكاية الفرح
«الحناء»، لدى الوالدة شيخة عبيد، أكثر من مجرد زينة؛ فتعتبرها «لغة» تُكتب على الأيدي؛ معلنة قدوم الفرح. وترى الوالدة شيخة، في نقش «الحناء»، فناً متوارثاً يربط الفتاة بجذورها، فكل «زخرفة» تخطها ريشتها تحمل حكايات الأمهات، والجدات، اللواتي كنَّ يتفننَّ في استخلاص «الحناء»، وتجهيزها بمكونات طبيعية.. وتقول (بشغف): «(الحناء) في بيوتنا ضيفةُ كل عيدٍ، وكل مناسبة، فهي جزءٌ أصيل من هويتنا، التي تحب البهجة». اليوم، لا تكتفي الوالدة شيخة بممارسة النقش التقليدي، وإنما تطوره بلمساتٍ عصرية، تتناغم مع ذائقة الشابات؛ لتظل هذه الحرفة حيةً ومواكبةً لروح العصر، مؤكدة أنَّ «الحناء» ستظل «بصمة الفرح»، التي لا تكتمل إطلالة المرأة الإماراتية إلا بها؛ لأنها تنقشُ على أيدينا ذكريات جميلة لا تغيب.
-
«حارسات الذاكرة» أنامل تنسج حكاية وطن
أيدٍ تصون الإرث.. وتصنع الغد
إنَّ القيمة الحقيقية لما تُبدعه هذه الأنامل، لا تكمن في القطعِ المُنْتَجَة، بقدر ما تكمن في «نبضِ الوصل»، الذي يستجلي فينا جوهرنا الأصيل. فخلف كل «سبوق»، وكل «تلي»، وكل «نقش حناء»، تكمن حكمة إنسانية، تتجاوز حدود المهنة؛ لتغدو تراثاً حياً يتجدد في صميم ذائقتنا المعاصرة. وهنا، يتجسد عمل «حاميات الإرث»، في المؤسسات الوطنية؛ باعتباره «تجلياً لذاكرة باقية»؛ تنبض فيه الحرفة روحاً تزرع في قلوب الأجيال الجديدة الانتماءَ إلى تاريخ يتنفس بين أيديها.