جاك كافالييه بيلترود: العطر بوابة إلى الذاكرة والشخصية
#عطور
نسرين فاخر اليوم
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، يرسم صانع العطور الفرنسي، جاك كافالييه بيلترود، ملامح رحلته الإبداعية مع «بولغري» (Bvlgari)، بدءاً من عطر «Bvlgari Pour Homme» عام 1995، مروراً بعطر «Tygar» الأيقوني من مجموعة «لو جيم» (Le Gemme)، ووصولاً إلى أحدث إبداعات مجموعة «أليغرا»، عطر «Baciami Ancora»، الذي أُطلق في أكتوبر 2026. وبحسّه الإبداعي، الذي يجمع بين الحِرَفية الدقيقة، وعمق المشاعر، يرى بيلترود أن العطر لغة خفية توقظ الذاكرة، وتعبّر عن الشخصية، وأن مصدر الإلهام قد يكون موجوداً في الطبيعة، أو في تفاصيل إنسانية عابرة.. في حواره مع «زهرة الخليج»، يحدثنا صانع العطور الفرنسي عن سحر العطور، وما تستحضره في نفسه من أناقة، وعمق روحي، متوقفاً عند فلسفة الفخامة، والتأثير المتنامي للذوق الخليجي في رسم اتجاهات مستقبل هذه الصناعة.
-
جاك كافالييه بيلترود: العطر بوابة إلى الذاكرة والشخصية
بعد زياراتك المتكررة إلى أبوظبي.. كيف ترى علاقتك بها؟
شهدت أبوظبي تطوراً مذهلاً، وأجدها مدينة تتمتع بعمق ثقافي وروحي متميز. وأحب دبي أيضاً؛ لما تحمله من طاقة وانفتاح على الإبداع. لكنَّ أبوظبي تمنحني إحساساً مختلفاً يرتبط بالتراث، والإنسان، والقيم؛ ما يجعلها مصدر إلهام حقيقياً بالنسبة لي.
ذاكرة عطرية
لو ابتكرت عطراً يجسّد روح أبوظبي، فما الذي ستحتويه تركيبته؟
سأختار العنبر الغني والدافئ، الذي يحتضنك بحضوره من دون أن يكون حاداً، مع لمسة من النفحات الخشبية، ونفحات منعشة في المقدمة تعكس أجواء البحر. كما أحب التناقض بين البحر والصحراء، وبين الانتعاش والدفء؛ لأنه يمنح العطر شخصيته، وعمقه.
تتحدث عن العطور بأسلوب شاعري؛ فكيف تنظر إلى علاقتها بالإنسان؟
أحب نقل الشعر إلى العطر؛ لأن كل نفحة تشبه كلمة تحمل معنى خاصاً، واجتماعها يصنع لغة متكاملة. فالعطر باب نفتح من خلاله نافذة على شخصيتنا، مع الاحتفاظ بمساحة من الغموض. كما أنه يرتبط بالذاكرة ارتباطاً عميقاً؛ فقد تُعيدنا رائحة ما إلى الطفولة، أو إلى ذكرى مرتبطة بأشخاص نحبهم، من دون أن نعرف سبب هذا الشعور. وهنا تكمن سحرية العطر؛ فهو يصل الماضي بالمستقبل، ويوقظ فينا مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات.
-
جاك كافالييه بيلترود: العطر بوابة إلى الذاكرة والشخصية
إبداعياً.. ما الذي يحفزك بعد هذه المسيرة الطويلة؟
يشغلني ما يمكنني ابتكاره غداً، وليس ما أنجزته في الماضي؛ لأنني أدرك أن الإبداع يقوم على الجودة، والتميّز، والابتكار، وعلى الحفاظ على هوية واضحة من دون تقديم تنازلات تُرضي الجميع. وفي «بولغري»، لا يقيّدني ارتباط «العلامة» بعالم المجوهرات، بل يوسّع آفاقي. فالأحجار الكريمة، والمواد العطرية، تشترك في ارتباطها بالطبيعة، وروايتها قصصاً تتجاوز حدود الزمن. والفخامة الحقيقية، لديَّ، هي اكتشاف الجمال الكامن في الطبيعة، والتعبير عنه بطريقة تلامس المشاعر.
ما العطر الذي ابتكرته، ويحتل مكانة خاصة لديك؟
أحب «إيماجينايشن»، من «Louis Vuitton»، و«Bvlgari Pour Homme»، و«Tygar» من «Bvlgari»؛ لأنها كانت عطوراً حلمت بابتكارها. ويتغيّر اختياري بحسب المناسبة؛ فأحياناً أصمّم عطراً لأمسية خاصة، أو لموعد مميز؛ لأنني أعتبر العطر تجربةً شخصيةً قبل أن يكون وسيلة؛ للتعبير عن النفس أمام الآخرين.
جاذبية متجدّدة
ما القصة التي يحملها عطر «Baciami Ancora»؟
تتمحور فكرة هذا العطر حول الجاذبية والشغف، فهما من العناصر الأساسية في عالم الفخامة. فالشغف يمكن أن يتخذ أشكالاً كثيرة، لكن في عالم العطور، تحديداً، يتعلق الأمر بالحفاظ على ما نحبّه، مع اكتشاف أبعاد جديدة فيه. فلم تكن الفكرة مجرد ابتكار نسخة أقوى من عطر مألوف، بل إبراز جوانب مختلفة من تركيبته، ومنحها مزيداً من الغنى، والتعبير. كما أردت أن أضاعف الإحساس الذي يجعلنا نحب العطر الأصلي، وأن أقدّم تجربة أكثر كثافة إلى من يبحث عن ذلك. فالعطر يجب أن يكون تعبيراً شخصياً قبل أن يكون وسيلة لإرضاء الآخرين. والأهم هو ما نشعر به؛ عندما نضعه على بشرتنا، وكيف يجعلنا نختبر أنفسنا، ونعبّر عن شخصيتنا.
-
جاك كافالييه بيلترود: العطر بوابة إلى الذاكرة والشخصية
كيف ترى مشهد صناعة العطور الفاخرة، وما تأثير المستهلك الخليجي فيه؟
أعتقد أننا نتجه نحو جيل جديد من العطور، أكثر دقةً، وفخامةً، وقدرةً على التعبير عن الشخصية. ومن الخطأ اعتقاد أن المستهلك الخليجي يفضّل النفحات الخشبية وحدها؛ فهو يقدّر العطور الجيدة بمكوناتها كافة، عميقةً أو منعشةً. ويتمتع المستهلك في المنطقة بمعرفة عطرية واسعة، ويولي أهمية كبيرة لأداء العطر، وحضوره، وثباته. وقد أصبحت هذه التفضيلات مصدر إلهام لهذه الصناعة عالمياً، وهو ما نحرص على مواكبته في «بولغري»، من خلال ابتكار عطور مميزة تترك أثراً في الذاكرة.
بعيداً عن العطور.. ما حجرك الكريم المفضّل؟
الألماس الوردي هو المفضّل لديّ، رغم حبي للأحجار الكريمة عموماً، بما فيها: الألماس الأصفر، والياقوت الأزرق. يثير إعجابي التحوّل، الذي تمر به الأحجار؛ من حالتها الخام، إلى القَطْع، والصقل، عندما يكشف الحِرَفيون عن جمالها الكامن، ونقائها. كما أجد في هذه العملية سحراً خاصاً؛ فالجمال قد يختبئ في الأماكن الأقل توقعاً، ويحتاج إلى رؤية فنية، ومهارة؛ للكشف عنه. وهذا ما يجمع، في نظري، بين الأحجار الكريمة، والعطور: القدرة على اكتشاف جمال الطبيعة، وإعادة تقديمه بطريقة تلامس المشاعر، وتترك أثراً خالداً.