حنان الشيخ : " ورثت عن والدتي جرأتها وحرية الرأي والاختيار "

صونيتا ناضر  |   30 سبتمبر 2010

كنت قد سمعت كثيراً عنها في الأوساط الصحافية والأدبية، ولكن للأسف لم أكن قد التقيت بها. إنها حنان الشيخ الأديبة والروائية اللبنانية التي ولدت وعاشت في بيروت، وأنهت دراستها في القاهرة، ثم عادت وعملت صحافية في جريدة " النهار" ومجلة " الحسناء".

بعد سنوات من الغربة ما بين لندن ودول الخليج بسبب الحرب اللبنانية، استقرت أخيراً في لندن حيث تعيش اليوم. ومنذ عام 1984 تكتب روايات تعرف نجاحاً كبيراً في الشرق كما في الغرب. ومن أعمال حنان الشيخ الروائية: " حكاية زهرة "، " مسك الغزال "، " بريد بيروت " وغيرها...ومناسبة مرورها مؤخراً في العاصمة الفرنسية باريس كانت صدور الترجمة الفرنسية لكتابها : " حكايتي شرحٌ يطول..." هذه الترجمة التي صدرت بعد مرور أكثر من خمس سنوات على الرواية العربية.

لقاؤنا تم في الإذاعة الفرنسية France Culture حيث دُعيت لكي أترجم اللقاء الذي تجريه حنان في هذه الإذاعة. ومنذ اللحظة الأولى شعرت بشفافية هذه الكاتبة والأديبة التي هي أولاً وأخيراً امرأة مناضلة في سبيل حرية التعبير والاختيار، وحساسة تجاه مشاكل النساء، بنات جيلها، كما الأجيال السابقة واللاحقة. إعجابي بحنان الشيخ دفعني لتحديد موعدٍ للقاء سريع معها، لتكون امرأة موقع " أنا زهرة الملهمة ". وأتى اللقاء في اليوم التالي للقائنا الأول، وهنا أخبرتني حنان في البداية أن روايتها تسرد قصة والدتها التي ناضلت من أجل الحصول على حريتها والدفاع عن أقل حقوقها، وهي اختيار مَن تحب.

فسألتها عن ردة فعل العائلة والأصدقاء في لبنان عند صدور الكتاب بالفرنسية الذي يذكر الأسماء كاملة ولا يخفي هويات الشخصيات الموجودة فيه. فقالت أنه على العكس، بمجرد كتابتها الأسماء كاملة في النسخة الفرنسية والإنكليزية، فهذا يعني أن العائلة قبلت بذلك. ووالدتها كان لديها الكثير من الصديقات اللواتي تمنين أن تذكر أسماءهن في هذا الكتاب. تتابع حنان الشيخ وتقول إن ما استوقفها بالأحرى هو استغراب الجميع في لبنان الجرأة واللامبالاة التي تحدثت بها عن الفقر الذي كانت تعيش فيه عائلتها. فكل التعليقات أتت عن الفقر وليس عن جرأة والدتها وتحديها للمجتمع بتركها لأولادها وانفصالها عن زوجها للحاق بمَن تحب.

ذكّرتُ حنان الشيخ أن هذا اللقاء سينشر في موقع " أنا زهرة" تحت عنوان " المرأة الملهمة "، فهل شعرَت أو تشعر أنها امرأة ملهمة ؟ أجابتني أنها لا تعرف كيف تجيب عن سؤالي هذا، وتابعت أنها ربما أثرت قليلاً على الذين يقرأون كتبها. وهذا ما تستنتجه من الرسائل التي تصلها من القرّاء، خاصة أولئك الذين يعلقون على رواية " حكاية زهرة " التي ما زالت تطبع رغم أنها صدرت في عام 1980. إذا ربما تكون أثرت على بعض النساء والرجال على الأقل هذا ما تأمله.

وعن سؤالي لها عن نظرتها للمرأة العربية ولمكانتها في المجتمع اليوم قالت : " أنا سعيدة من جهة لأن المرأة العربية دخلت إلى كل مجالات العمل، ولكن في الوقت نفسه حزينة بسبب التطرف الديني من كل الجهات. بالنسبة لي الإيمان يجب أن يبقى ما بين الشخص وذاته، فأنا لا أحب الشعائر الدينية المتطرفة. أشعر بالانزعاج اليوم لأننا خسرنا كل ما ناضلنا من أجله أي الحرية، وأنا هنا أتكلم عن حرية حقيقية. فالحرية بالنسبة لي ليست ارتداء الميني جوب أو خلع الحجاب، بل الاستقلال المادي. ولكن للأسف ما أراه أحياناً حولي اليوم هو نساء يبحثن عن رجل للاتكال عليه مادياً. وهذا ما يفقدهنّ حريتهن. الحرية بالنسبة لي هي العمل والاستقلال المادي".

وعما إذا كانت تشعر بحنين ونوستالجيا للبنان، وإلى ماذا تشتاق وما الذي تفتقد إليه وهي تعيش في لندن منذ سنوات بعيدة، تقول حنان الشيخ إنها تشتاق إلى الموسيقى. فهي كانت تحبّ الاستماع إلى الموسيقى أثناء مشيها في الشوارع، هذه الموسيقى التي غالباً ما تأتي من مذياع الجيران عند الغروب. كما تشتاق إلى سماع أصوات الأمهات اللواتي ينادين الأولاد ويطلبن منهم العودة إلى المنزل.

بالإضافة إلى هذه الأصوات التي تحنّ إليها، هناك صورٌ تعاودها دائماً كرؤية رفوف الحمام تطير عند الغروب في حي رأس النبع في بيروت حيث كانت تعيش، والنساء اللواتي كن ينشرن الغسيل في الملاقط. هذه الصور تقارنها الروائية بسطوح لندن الباردة المليئة بأقراص الدش التي تشبه ميّال الشمس الذي تحجّر. كما تضيف أن النوستالجيا تساعدها في كتاباتها، لكنها تحاول التخلص منها في حياتها اليومية حتى لا تسيطر على عواطفها وتؤثر سلباً عليها.

وما زالت حنان الشيخ تكتب كل مسودّات رواياتها بالقلم، ولا تستعمل أبداً الكومبيوتر، وأن هذا يثير استغراب الكثيرين. وهي تعمل يدوياً على " قطع ووصل" المقاطع التي تريد تقديمها وتأخيرها في الرواية. ثم تقوم بإلصاق هذه المقاطع في المكان الذي تريده. وفي النهاية مسوداتها تصبح كعمل فني على طريقة collage والكل معجب بها. وهي تلقت عروضاً كثيرة لبيعها لجامعات في أميركا وإنكلترا، لكنها تفضل وهبها إلى جامعات لبنانية.

وكان من البديهي أن أسأل حنان الشيخ كيف تتعامل مع الإنترنت، إذا كانت تفضل القلم على الكومبيوتر. فأخبرتني أنها لا تحب أبداً الإنترنت. وإذا ما تركت الأمور لها، فهي تفضل أن لا يكون لديها عنوان إلكتروني. وانتقدت تمضية المراهقين لساعات طويلة على شبكة الإنترنت. كما نوّهت أن الإنترنت رغم تقريبه للمسافات، لكنه قضى على عامل المفاجأة والدهشة. فالكل يعرف كل شيء عن أي شيء في وقت آني. فالإنترنت ألغى ضرورة بذل مجهود من أجل الحصول على المعلومة. إن هذا جيد أحياناً، ولكنه سيء أحياناً أخرى. وهي تلمست ذلك من خلال لقاءاتها بطلاب الجامعات الذين يذكرون جملة قالتها في سياق، وهم يقرأونها على الإنترنت ويضعونها في سياق آخر، ما يسيء تماماً للرسالة التي تودّ إيصالها.

وأخيراً سألتها إذا ما كانت ستقبل بنشر كتبها على الإنترنت كما هو دارج اليوم، فقالت : " حكايتي شرح يطول.." نُشرت على الإنترنت في أميركا. ولكن أنا أجد ذلك مجحفاً بحق الكاتب، حيث أن الكتاب الذي يُباع في المكتبات بأربع وعشرين دولاراً مثلاً، يصبح ثمن تحميله download على الإنترنت بسبع دولارات فقط. وتختم إجابتها الأخيرة قائلة : " للكتاب سحره، فعندما نمسك به نقلب صفحاته، ونفكر برجال المطبعة الذين صفوّا حروفه. كل هذه الطقوس اختفت، ولكن يجب علينا التماشي مع الزمن، وأن ننسى النوستالجيا".

المزيد على أنا زهرة: