أوبرا وينفري.. سيدة «القمم»

إبراهيم علي  |   13 أغسطس 2018

حين أبصرت أوبرا النور في 29 يناير 1954، كان مارتن لوثر كنغ وأمثاله يكافحون كفاحاً عظيماً من أجل أطفال مثلها، لا ذنب لهم سوى أن «علاقات الإنتاج» والاقتصاد المعقدة حكمت على أسلافها بالرحيل المر من سواحل أفريقيا الغربية إلى غرب الأطلسي، في رحلات تجسد قهر الإنسان لأخيه الإنسان، ورغبته في استغلاله أبشع استغلال. وهي كانت طفلة بعد حين أُردي لوثر كنغ، لكن دماءه كانت هي الجسر الذي عبرته أوبرا وينفري ومايكل جاكسون وباراك أوباما ودنزل واشنطن وويتني هيوستن لمعانقة الضوء، هناك في البعيد، حيث لا مجال سوى القمة.
ولدت أوبرا في المسيسيبي، حيث التاريخ ينتصب شاهداً على «السخرة» والإمعان في إذلال البشر والنيل من كرامتهم. لكن، من قال إن التاريخ يحول دون صعود القمة؟ أوبرا انتقلت إلى ويسكونسين وهي في عمر السادسة لتعيش مع أمها، ثم مع أبيها في ناشفيل، وهو الذي كان له أعظم الأثر في حياتها، حيث دعمها دعماً لا نهائياً، لتصبح في عمر صغير مذيعة في قناة CBS المحلية في الولايات المتحدة آنذاك، بعد تخرجها في جامعة مسيسيبي سنة 1976، ثم مراسلة لمحطة ABC في بالتيمور، ميريلاند، وسرعان ما عادت مرة أخرى لتصبح مقدمة برنامج الصباح في ذات ذاتها.
في 1984 انتقلت أوبرا وينفري إلى شيكاغو لتقدم برنامجاً من هناك لمصلحة AM شيكاغو، ونجح نجاحاً باهراً، ليسمى العام الذي يليه باسمها: أوبرا وينفري، وهو البرنامج الذي أضحى في 1986 الأكثر مشاهدة في الولايات المتحدة.
أوبرا لم تحقق هذا النجاح الهائل من فراغ. فهي علاوة على ثقافتها العميقة، تملك حساً إنسانياً رفيعاً، وبساطة مدهشة في آن. وعلى الرغم من أسئلتها «الساخنة» إلا أنها تنتقل بشكل عفوي من الفكاهة إلى التعاطف مع ضيوفها إلى البكاء معهم تأثراً بأحزانهم. نعم، فهي تبحث في أعماق كل ضيف عن إنسانيته، عن ضعفه البشري وحكاياته، عن انكساراته وانتصاراته.
أوبرا، وعبر مسيرتها الطويلة حازت عدداً من جوائز «إيمي» الرفيعة، وشاركت في أداء أفلام عدة، ومنها فيلم عن مارتن لوثر كنغ، أسهمت أيضاً في إنتاجه.
في 1996 أسست وينفري نادياً للكتاب على الشاشة، لمناقشة المؤلفات المختلفة مع مجموعة منتقاة من المثقفين والقراء والمشاهدين. وكان كل كتاب تختاره يصعد بسرعة البرق ليضحى واحداً من أكثر الكتب المقروءة. ووصف النقاد تأثير أوبرا في صناعة النشر بأنه كان «مذهلاً». وفي عام 2000 أطلقت مجلة خاصة بها، وقبل ذلك وسعت إمبراطوريتها الإعلامية بإطلاق مجموعة «أوكسجين للإعلام» في 1998 كشركة إنتاج خاصة بها وبشركائها، لتؤسس شبكة تلفزيونية موجهة للنساء.
أوبرا أضحت قبلة المحطات الأميركية الكبرى، بل وحول العالم، وفي 2009 أعلنت أن برنامجها سيتوقف في 2011 لتركز جهدها على شبكتها الخاصة: OWN، أو شبكة أوبرا وينفري، وبالفعل، كانت آخر حلقاتها في مايو 2011 لتطل على مشاهديها من خلال شبكتها الخاصة.
هذا العمل كله حقق لأوبرا ثروة طائلة، لدرجة أنها افتتحت مدرسة للمعوزات في جنوب أفريقيا بكلفة 40 مليون دولار في 2007، لكنها قبل ذلك أطلقت شبكة للأعمال الطوعية أطلقت عليها اسم «الملاك» لتقديم مبادرات مماثلة حول العالم.
أوبرا أولت اهتمامها أيضاً لقضية «استغلال الأطفال»، ونالت على أعمالها الإنسانية هذه جوائز رفيعة، من بينها جائزة مركز كنيدي، وميدالية الحرية في 2013. أوبرا وينفري حكاية نجاح لسيدة استثنائية ألهمت ملايين النساء. من بيئة الفقر المدقع والاغتصاب والتحرشات الجنسية، والتاريخ المثقل بالاستعباد، أتت وهي تحمل في يمينها صولجان التحدي، بلا أي مواصفات استثنائية، فلا هي في إثارة مارلين مونرو، حسب تصنيفات الجمال المعاصر، ولا هي تملك صوت ويتني هيوستن، لكنها ملكت الحضور، واستحوذت تلقائيتها وعفويتها على الألباب. إنها تطل من الشاشة كواحدة من البشر العاديين، لا أكثر ولا أقل. إنسانة فقط، ولعل هذا هو سر نجاحها، ذلك القرب المدهش من «كل الناس».