متنكراً يطرق القدر بابك

أحلام مستغانمي  |   20 نوفمبر 2018

لا يزال السجال قائماً في عالم الإبداع، والسؤال الأبدي هو: هل الحب يدعم الإبداع ويمنح المبدع ما يلزمه من اشتعال عاطفي لمواجهة حالة الخلق؟ أم هو يستهلك وقت المبدع، وينهك أعصابه في الخيبات والخلافات العاطفية، ويسرق منه الطاقة التي كان يجب أن تذهب لإنجاز أعمال إبداعية؟
ثمة خيار حاسم يواجه كل مبدع: عليه أن يختار بين الإبداع والحب. حدث ذات مرة أن قال لي نزار وأنا أحدثه عن هواجس الكتابة:
- أحبك لأنك تشبهينني، لو خُيّرتِ بين الكتابة والحب لاخترت الكتابة.
أجبته مصححة:
- بل سأختار الحب، فأنا أنحاز للحياة.
علّق بخيبة ما:
- لن تكوني كاتبة حتى تختاري الكتابة!
بعد ذلك بسنوات أدركت أنه قدّم لي أغلى نصائحه، وأنه قال لي عنه الكثير في جملة واحدة. كتب نزار خمسين كتاباً لأنه لم يحب إلا الشعر. لقد كانت القصيدة هي الأنثى الوحيدة التي تخلى من أجلها عن كل شيء، حتى عن المرأة نفسها التي يقال إنه شاعرها. أما النكتة، فهي وصفه بزير النساء، لأنه لو كان أحَب من النساء بعدد ما كتب من قصائد عنهن، لما ظلت في العالم العربي امرأة إلا ادعت أنها ملهمته، بينما لم يُعرف عنه في شبابه إلا قصته مع كاتبة سورية شهيرة أشيع أنه بطل روايتها.
في الواقع عرفت نزار خجولاً، وأكثر جرأة في قصائده منه في الحياة. كان موضوع النساء في أشعاره قضية إبداعية واجتماعية، من باب التمرد والعصيان الشعري، وتحديث اللغة، لكنه كان في الحياة رجلاً يحب بحسه الإبداعي والقومي، لذا كانت زوجته بلقيس العراقية حبه الكبير لما يرمز له العراق من أصالة وعمق عربي. فكأنه بزواجه منها عقد قرانه على التاريخ، ولعل اهتمامه بي كان يعود أولاً لحبه كما كل العرب آنذاك للجزائر، ولحاجته لامرأة ترمز لأكبر ثورة عربية، وتطابق هواجسه السياسية والعاطفية، امرأة يمكنه أن يكون معها شاعراً لا غير.
تعلمت من نزار أن الحب يستنفد الطاقة الإبداعية، وأنه مؤامرة ضد الإبداع، يجردك من وقتك، فلا تعود مهنتك الكتابة، بل القلق والانتظار.
يا للحماقة.. كيف نسيت الدرس!
***
كيف تدري من هذا الذي يدق؟ يد من هذه التي تطرق بابك، بإلحاح أو على استحياء، أو لمجرد رؤيتك عند عتبة الباب باحثاً عن أحد؟
أهو الطارق المنتظر؟ أزائر؟ أم عابر؟ أم هي يد القدر جاءت لتخلع بابك؟
قبل أن تفتح للحب، تذكر أن هذا الزائر المباغت سيباغتك أيضاً في توقيت رحيله، وأن الحب يأتي ليمضي. فالعواطف الجميلة عابرة سبيل. والذي يطبطب على قلبك، قد يطبطب لاحقاً على كتفك إيذاناً بالرحيل.
فالذين صغاراً كانوا يدقون بابنا ويلوذون بالفرار، سيواصلون وهم كبار الطرق على قلوبنا واللوذ بالهرب!
لا جدوى من النظر من عين الباب، متنكراً يطرق القدر بابك.