العُود والشَّحات (1-2)

سعود السنعوسي  |   20 ديسمبر 2018

يعجبني شكلُها وفعلها مُذ كنت طفلاً صغيراً. تلك الآلة الوترية السحرية؛ العود. وأقول دائماً لو أنها سلَّمتني مفاتيحها وقبلت بي عازفاً، لما أصبحتُ كاتباً في يومٍ من الأيام.
التحقتُ في صفِّ مادة الموسيقى في المرحلة الثانوية، قبل ما يربو على العشرين عاماً، وكانت خيارات الآلات الموسيقية المتاحة في مدرستي ثلاثة؛ بيانو وكمان وعود. أحبُّ صوت الكمان، وحركة قوسه الانسيابية، وانحناءات قوامه الرَّشيق، ولكنني لا أحب فكرة أن أتنكب تلك الآلة، أثبتها بين ذقني وكتفي وأجعل من القوس وسيطاً بيني وبين أوتارها. البيانو كان فاتناً أيضاً، يجذبني بأنغامه وشكله النبيل، بلونه الأسود اللامع وسطحه الصَّقيل، يقفُ على قوائمه الأربع شامخاً في زاوية الفصل مثل فرَسٍ عربيةٍ أصيلة،  ولكن غربةً داهمتني حياله وأنا ألامس مفاتيحه الباردة على مبعدة من الأوتار الخفية، وددتُ لو أني أفتح غطاء البيانو وأُمرِّر أصابعي على أوتاره الكثيرة من دون وسيط بينها وبين رؤوس أصابعي. العود، وحده العود يمنحني حظوة لمس أوتاره بكلتا يديّ، والشعور باهتزاز الريشة. أطلقُ عليه اسماً عربيّاً، وأطيل النظر في زخارف شمسياته، وأعانق جسده الخشبي المطعم بالصَّدف،وأضمُّه إلى صدري وأسند رأسي إليه كما لو أنني أعانق صديقاً بعد غياب.العود، حلم الطفولة الممنوع من دخول البيت، الذي وَسوَس لي مراراً أن أُدخله «متخفِّياً»، ولكنني جبنتُ، لم أضمن عدم خروجه «مفضوحاً» مكسوراً على ظهري الغضّ. فكان لقاؤنا المتاح والوحيد في المدرسة، في ساعة نحس.
تجاوزت اختبار القدرات السَّماعي، وأشرتُ بعلامة «صح» أمام خيار العود في ورقة الاختيار وتمَّ قبولي في صفِّ الأستاذ «المنسي»، مارد الفانوس كما كنا نُسميه. أستاذ العود المصري القريب من التلاميذ لبساطته وشخصيته المرحة المحبَّبة، وشكله المميز بصلعته العريضة، وقميصه قصير الكمَّين بشكلٍ لافت، وصوته الجهوري، وطوله الذي يقارب المترين. كنتُ أحسبني بتجاوزي الاختبار سوف أعزفُ «الربيع» على طريقة فريد الأطرش، أؤلفُ ألحاناً خالدة كما لو أنني عبد الوهاب، أغمض عينيَّ وأبصرُ العزفَ مثل عمَّار الشريعي، ويغني لي عبد الكريم عبد القادر ورباب وعبد الله الرويشد ونوال.
كنا سبعة تلاميذ في فصل العود، ستَّة يجيدون العزف بعفويةٍ مثل ترديد الأنفاس، وواحد لا يعرف عن العود إلا نغمه وشكله؛ أنا. فكنتُ أضحوكة الفصل في الساعة الأولى.
في بداية تلك الساعة، كان التلاميذ الستَّة، من تلقاء أنفسهم، يعزفون السُّلم الموسيقي ويتبارون على عزف أصعب المقطوعات والتقاسيم، في حين ينظر إليَّ الأستاذ المنسي عاقداً حاجبيه وهو يدري أنه سوف يجيء إلى المدرسة الثانوية كلَّ يومٍ من أجل تعليم تلميذ واحد، غرير لا يفقه في العود شيئاً. أخرَس الأستاذ بإشارةٍ من يده فوضى أنغام السلَّم الموسيقي والمقطوعات الشهيرة، وراح يشرح تاريخ العود وأجزاءه. كنت أمسك بالآلة كما لو أنني أحملُ رضيعاً بين أولئك الذين يسندون الآلة إلى أفخاذهم كما يسندها العازفون المحترفون. أشار الأستاذ المنسي إلى المشط، ذلك الجزء المعقوف من الآلة حيث مفاتيح الأوتار، وراحَ يعلِّمني في البدء كيفية وضع الكفِّ مبسوطةً أسفلها. بسطتُ كفِّي أسفلَ المشط وكلِّي لهفة لإتقان الأمر. صفعَ الأستاذ صلعته الشاهقة في خيبة ثم أشار إلى كفِّي المبسوطة: «يا ابني إنتَ كِده بتِشحَت!».