فيلم حالم مليء بالمشاعر Roma.. يا أبيض يا أسود!

عبدالرحمن الحميري

  |   2 يناير 2019

لا أدري كيف أصنّف ما شاهدته للتو. هل هو فيلم؟ أم قصيدة حالمة لشاعر مصاب بالشرود؟ أم جلسة تأمل علاجية بالصوت والصورة؟ أياً يكن، فالأكيد أنه سحر، وهو سحر حقيقي جداً وبسيط جداً، ويحدث حولنا كل يوم، حين نستيقظ ونفتح الستائر، حين نسأل عن الغداء، حين ننشر ثيابنا المبلولة على الشرفة، حين نسمع رنين الهاتف في الغرفة المجاورة، حين نداعب قطة، حين نركل حصاةً أثناء مشينا إلى المسجد، حين تصطدم بنا كتف غريبة، حين نراقب عاملاً يقطع الشارع بدراجة هوائية، حين نحب ونكره، حين نعانق ونفارق، وحين نضع رؤوسنا على الوسادة في آخر الليل، ونفكر في جميع أحداث اليوم التافهة، من دون أن يخطر في بالنا أنها لو جُمِعت؛ فلربّما شكّلت فيلماً عظيماً.

حقبة السبعينات

تدور أحداث فيلم Roma في بداية حقبة السبعينات، في مدينة مكسيكو سيتي، حيث تعمل (كليو) خادمة لدى إحدى عائلات الطبقة المتوسطة، تطبخ وتنظّف وترعى الأطفال، ولها حياتها الصغيرة الخاصة في وقت الفراغ، وتتمثّل في علاقتها بالشاب (فيرمين). أما ربة الأسرة فتُعاني مع الزوج الذي يغيب بشكلٍ متكرر، ويبدو أنه يوشك أن يتركهم، ومع ذلك فهي تظهر بشخصية متماسكة، وتؤدي دوراً مضاعفاً لينعم أطفالها بطفولة سعيدة. لا توجد أحداث يمكن سردها سرداً تسلسلياً، إذ ليست ثمة عقدة واضحة تؤدي إلى تصاعدٍ درامي كما في معظم الأفلام، بل هي مجرد مشاهد من حياة طبيعية بروتينها وظروفها ومشكلاتها، من دون إضافة بهارات تشويقية أو نكهات اصطناعية، فالحياة دسمة في حد ذاتها، وكل ما في الأمر أن هناك عدسة فنان ترصد اليوميات التي تبدو عادية بطريقة تظهرها وكأنها لوحة فنية خلابة تسحر الألباب. عنوان الفيلم حيّرني في بادئ الأمر، إذ ظننت أن المقصود به روما عاصمة إيطاليا، لأكتشف لاحقاً أنه اسم الحيّ الذي تسكن فيه العائلة في مكسيكو سيتي. وهو مسقط رأس المخرج (ألفونسو كوارون) الذي استلهم الفيلم من طفولته، فبدا وكأنه يصحبنا في نزهةٍ في ذاكرته، الكاميرا تتسلل وتدور وتقترب ببطء وخفة وكأنها تتلصّص على أحلام شخص ما، وسط أجواء شاعرية هادئة، وليس ذلك بغريب على مخرج فيلم Gravity، وإن كان فيلم Roma مغايراً من نواحٍ عديدة، وأراه أجمل فنياً، وقد يعود السبب في ذلك إلى أن قصته شخصية.

لا حلول وسطاً

الفيلم بأكمله بالأبيض والأسود، وبالنسبة إلى آراء المشاهدين؛ فسيكون (يا أبيض.. يا أسود!)، لا حلول وسطاً، فإما أن يبهرك ويغمرك كموجةٍ دافئة ويتركك ثملاً حتى الفجر - كما فعل بي - حين سهرت لأكتب هذا المقال، وإما أن يُثير ضجرك وحنقك وأنت تسأل نفسك: وما المغزى من هذا الهراء؟ وتغلقه بعد مرور نصف ساعة وتلعنه في هاشتاقات تويتر وترسل البرودكاستات في واتساب محذراً من مشاهدته لأنه سبب لأمراض القولون وسرطان الكبد، وأنه أخطر من لعبة الحوت الأزرق في التسبّب بحالات الانتحار. ولا بأس في ذلك؛ فعلى الرغم من فوزه بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي والعشرات من الجوائز والترشيحات الأخرى؛ إلا أن انقسام الآراء شائع كثيراً حول هذا النوع من الأفلام، مثله مثل La La Land وThe Florida Project وTree of Life وThe Killing of a Sacred Deer، فالكلمة الأولى والأخيرة للذائقة الخاصة. فيلم Roma من أجمل خمسة أفلام شاهدتها في 2018، وقد يكون الورقة الرابحة لشبكة Netflix في سباق جوائز الأوسكار، وإن فاز فسأفرح له كثيراً وسأشعر بنصر شخصي، لكنني سأتأكد قبل كل شيء أن المذيع لم يخطئ في ذكر اسم الفيلم الفائز.

تذكرة لي ولكم

بمناسبة الحديث عن أفلام نتفليكس؛ فيما يلي توصية لـ10 أفلام تستحق المشاهدة ومتوافرة على الموقع:

- Catch Me If You Can
- Spotlight
- The Imitation Game
- Silver Linings Playbook
- The Pianist
- The King’s Speech
- Whiplash
- American Gangster
- American Hustle
- Looper

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث