اللهفة لحظة مهدّدة بالزوال

أحلام مستغانمي  |   9 فبراير 2019

ما من أمر في هذه الحياة إلا ويتغيّر، إنه منطق الكون. الماء لا يجري في النهر مرتين، والشخص الذي هو أمامك اليوم عاشقاً متلهفاً، لن يكون هو نفسه في المواعيد المقبلة. سيعبره الوقت، بأفراحه وأتراحه، بمكاسبه وخساراته، وكما مع الوقت تُغيّر الجبال تضاريسها، وتحفر قطرات المطر المتساقطة سطح الصخور، وكما تجعل الشمس السكّك الحديدية تتمدّد بمفعول الحرارة، فيُترك عند نهاياتها بضعة سنتيمترات تحسّباً لتمدّدها في مواسم القيظ، لندع في علاقاتنا مساحة لغير المتوقع، فليس في إمكان أحد التنبؤ بالنشرات الجويّة للقلوب.
من الحماقة أن نراهن على استمرارية الحب، وعلى ثبات ما يبدو لنا مكتسباً ومحسوماً، المشاعر تتغيّر وتُغيّرنا معها، والحياة تُعيد ترتيب أولوياتنا. من كان يوماً لنا، قد لا يعود لاحقاً كذلك، ومن كُنا له العالم، قد نغدو خارج عالمه، وإذ بالمصادفات تضعه يوماً أمامنا كائناً غريباً، ينكرنا ويتنكّر لنا مُكرهاً، بعد أن مضت به ظروف الحياة في كل صوب.
«وإذا أنكر خلٌّ خلّه وتلاقينا لقاء الغرباء  ومضى كلٌّ إلى غايته لا تقُل شئنا فإنّ الحظ شاء»
حقيقة بلغها إبراهيم ناجي بحسرة في نهاية قصيدة الأطلال، التي يكمن سرّ خلودها، في اختصارها معظم قصص الحب، بروعة بداياتها الحالمة، وبارتطام العشاق أرضاً عند نهاياتها. لاعتقادهم وهم يحلّقون فوق الواقع، أنهم يمسكون بالزمن الأبديّ.
كما غدا الآباء يلتقطون الصور والأفلام لأطفالهم، مذ لحظة خروجهم إلى الحياة، ليحتفظوا بالصرخة الأولى، والنظرة الأولى. ويواصلون طوال سنوات طفولتهم مطاردة ضحكاتهم، وبكائهم، وخطواتهم، بعين الكاميرا، على العشاق أن يوثّقوا أحاسيسهم الأولى بالكتابة، ويسجّلوا مشاعرهم منذ الشرارة الأولى للحبّ. أن يحتفظوا بأول بوح، وأول فرح وأول جرح، لأنّهم ذات يوم لن يتعرّفوا إلى ملامح حبّهم. وسيبدو لهم ما عاشوه ضرباً من الأوهام. فالحب يولد وينمو ويكبر ويشيخ بأسرع مما نتصوّر. الحب قد يقفز أثناء موعد بين حبيبين على الفصول ويقلب منطقها، وقد ينقلك من الربيع إلى الشتاء بسكتة هاتفية، وستعيش بحسرة فصلين سُرقا منك، وتحتاج أن تعيشهما لتدرك ما الذي حدث، حتى وجدت نفسك أمام جثة أحلامك.
نعجب لانقلاب قلب على سالف عهده، ولا نصدّق أن باباً كُنا مطمئنين لامتلاك مفتاحه، وكان يُفتح لنا حال وقوفنا أمامه، غدا جداراً لا باب له، ليس ساكنه الذي اختفى. بل الحياة غيّرت أقفالها في غفلة منّا. إنها خدعة المفاتيح حين تعطينا الحياة وهماً بامتلاك الأشياء إلى الأبد. كوهم الموريسكيين بأنّهم ما زال لهم في الأندلس بيوت لأنهم يحتفظون بمفاتيحها.
الحب سعادة شاهقة يقفز لها القلب، أسهم نارية تضيء سماءنا بغتة، أحلام تُجلسنا على غيمة قطنية، تطير بنا فيبدو كل شيء عدا حبنا صغيراً في نظرنا. كل ما في الحب متطرّف ومبالغ فيه، لذا محكوم عليه بالانطفاء، ولذا عندما يحضر الحب علينا أن نعي نعمته، ونستمتع بهباته، من دون أن ننسى أن نعيشه بلهفة لحظة مهددة بالزوال.