الإذاعات العربية.. صوت الهوية عبر أثير الوعي

إشراقة النور

  |   27 فبراير 2019

الحديث عن تاريخ الإذاعات العربية تأكيد على تأثير الكلمة المسموعة وقوتها في الفضاء الثقافي والاجتماعي العربي، ومن أصل كلمة إذاعة التي تعني الإشاعة والنشر، يتبدّى لنا الدور الريادي الذي لعبته في تكريس الوعي لدى المستمعين العرب، إذ تربّت عليها أجيال متعاقبة، سمعت فيها أخبار الحرب والسلم وكانت صوتاً للفنون والإبداع والجمال. ولا تزال الإذاعة في يومها العالمي الذي يُحتفى به في (13 فبراير) من كل عام، تُكافح لتُبقي خيْطها المجدول عزماً بينها وبين مستمعيها، في ظل وسائل التواصل الجديدة.

وفي تأريخ نشوء الإذاعات العربية، نلاحظ أنها قد تفاوتت في ظهورها واختلفت في ظروف تأسيسها، ففي بعض البلدان العربية كانت نشأة الإذاعة المسموعة نتيجة لمبادرات فردية من قبل مهندسي «الراديو» أو «المذياع»، وفي البعض الآخر كان لقوى الاستعمار الدور المبدئي في إطلاقها مدفوعين بأهمية الكلمة في الدعاية لأغراض المحتل السياسية والعسكرية، في حين أن بعض الإذاعات أُسست غداة استقلال البلدان العربية.

هواة
في مصر لم تكن الدولة هي التي قامت بإنشاء الإذاعات، فقد حاز قصب السبق الأفراد من هواة اللاسلكي، الذين قدّموا طلبات إنشاء إذاعات للدولة في عام 1925 ووافقت عليها، مما يعني أن المجتمع المدني هو الذي بادر بإنشاء مؤسساته الإعلامية الإذاعية، أسوة بتلك الصحفية، إلا أن الحكومة المصرية لم تطق طلاقة الإذاعات الخاصة فأغلقتها في سنة 1932، لتعود وتنشئ إذاعات حكومية في عام 1934، وتقلبت الإذاعات المصرية على أثير المراحل مُكرّسة تجارب عملية، فوسمتها بالتطور والتنوع والثراء، من حيث تقنيات البث والمحتوى الإعلامي، فتعددت محطات البث الإذاعي، نذكر منها إذاعة «صوت العرب»، «البرنامج العام»، «البرنامج الأوربي المحلي» وإذاعة الشرق الأوسط.

هوية
كان إنشاء الإذاعة في فلسطين على موعد مع تحقيق وحفظ الهويّة الفلسطينية، وعلى هذا الهدف انطلقت «إذاعة القدس» عام 1936، أي بعد سنتين من افتتاح الإذاعة المصرية، وتولّى إدارتها عدد من كبار المثقفين، أمثال إبراهيم طوقان، عجاج نويبض وعزمي النشاشيبي، وظلت هذه الإذاعة تبث إرسالها لمدة 12 عاماً، قبل أن تنتقل إلى رام الله. وبفضل الإدارة المثقفة لـ«إذاعة القدس» آنذاك، فقد حققت طفرة حكت عن قصة نجاح باهرة في فلسطين والدول العربية المجاورة، حتى إن كبار الأدباء والفنانين كانوا يشاركون بأعمالهم من خلال برامجها المختلفة، وغنّى فيها كبار المطربين والمطربات، مثل محمد عبد المطلب، فريد الأطرش وأسهمان.

جنة الأطفال
عرفت العراق الإذاعة في وقت مبكر، ففي عام 1936 أنشئت إذاعة تخصصت في برامج الأطفال، حيث لاقى برنامج «جنّة الأطفال» رواجاً كبيراً بمجهودات الإذاعي (عمّو زكي) عام 1938، وتَقدّم «الراديو» بخطى ثابتة بعد ثورة يوليو 1958، وبعد ثورة 17 يوليو 1968، زاد اهتمام الدولة العراقية بتطوير «الراديو»، وسبقت الإذاعة العراقية غيرها في إبداع برامج البث المباشر، من خلال عمل إذاعي يومي صباحي.

صوت الشرق
أنشئت الإذاعة في لبنان على أيدي حكومة الانتداب الفرنسي في سبتمبر 1938، وأوكل افتتاحها إلى «شركة أريان» الفرنسية، التي تولت أيضاً إدارة الإذاعة، وأطلق عليها اسم «راديو الشرق»، حيث كانت تبث خدمتها إلى لبنان وسوريا معاً، وعندما نال لبنان استقلاله سُلّمت الإذاعة إلى الحكومة اللبنانية، التي وقّعت «برتوكول» مع الحكومة الفرنسية، يسمح لها ببث برامجها يومياً لمدة 145 دقيقة، وسُمّيت الإذاعة «محطة الإذاعة اللبنانية»، وألحقت بـ«إدارة الإعلام والنشر» بوزارة الداخلية، وقد استحوذت البرامج الفرنسية، البريطانية والأميركية على 40% من زمن البَث.

إذاعة الأردن
في سنة 1948 كان المستمعون في الأردن على موعد مع أول إذاعة أردنية منطلقة من رام الله بالضفة الغربية في فلسطين، حيث كانت الضفة الغربية تتبع للإدارة الأردنية قبل حرب 1967. ففي عام 1956 كان في مقدور الأردنيين أن يستمعوا لـ«إذاعة عمّان»، التي حرصت على أن تُسمع صوتها في أغلب الدول العربية والآسيوية.

هُنا أم درمان
لم يتأخر إنشاء الإذاعة في السودان كثيراً، فسرعان ما أصدر مكتب الأمن العام التابع للسكرتير الإداري في العهد الاستعماري البريطاني، مرسوماً بإنشاء إذاعة سودانية بعد تجارب عدة ناجحة، وبدأت الإذاعة بثّها من أم درمان في اليوم الثاني من مايو سنة 1940، واحتوت برامج الإذاعة آنذاك، مُلخّصاً للأخبار باللغة العربية الفصحى البسيطة، وتعليقات قصيرة على هذه الأخبار باللغة الدارجة. كما تضمنت البرامج ما تيسّر من القرآن والمدائح النبوية، إضافة إلى أسطوانات مسجلة وبعض الفواصل المسلّية.

صوت الجزائر
في الجزائر بادر بتأسيس الإذاعة فيها، المستوطنون الفرنسيون فكانت تبث بلغتهم. لكن الجزائريين في عُمق كفاحهم للتحرر من الاستعمار الفرنسي، أنشؤوا الإذاعة الجزائرية، تحت اسم «صوت الجزائر المكافحة». والتي كانت تبث برامجها على متن شاحنة متنقلة على الحدود الجزائرية المغربية، بواسطة جهاز لاسلكي حُوّل إلى جهاز إرسال. بعد ذلك غطى البث الإذاعي معظم الأراضي الجزائرية، وحينما رفرفت أعلام الاستقلال الجزائري، آلت الإذاعة إلى حكومة الثورة، فتلوّن مضمون بثها بتوجّهات الثوار وأفكارهم، فتكلمت إذاعاتهم العربية، الأمازيغية والفرنسية.

إذاعة جدة
مع إدخال «الراديو» أو «المذياع» إلى المملكة العربية السعودية، في فبراير عام 1935، بدأت تردّدات الإذاعات تصل إلى المستمع السعودي. وفي 18 يوليو 1949، أصدر الملك عبد العزيز آل سعود مرسوماً يقضي بإنشاء نظام إذاعي في السعودية، فبدأت بموجب ذلك «إذاعة جدّة» وأنشئت أول محطة إذاعية سعودية، وبدأ إرسالها في أكتوبر 1949 الموافق ليوم الوقوف بعرفة، بكلمة ألقاها الأمير فيصل بن عبد العزيز، تضمّنت تهنئة الحَجيج بمناسك الحج والترحيب بقدومهم إلى الأراضي المقدّسة، ثم تبعتها انطلاقة «إذاعة الرياض» في يناير 1965.

اليوم العالمي للإذاعة
«اليوم العالمي للإذاعة» أو «يوم الإذاعة العالمي»، هو يوم عالمي يتم فيه الاحتفاء بالدور المهم الذي تُقدمه هذه الوسيلة المسموعة، في 13 فبراير من كل عام. وقد تم اختيار هذا التاريخ تزامُناً مع ذكرى إطلاق «إذاعة الأمم المتحدة» عام 1946، وكانت «منظمة اتحاد إذاعات الدول العربية»، قد أنشئت في فبراير 1969 بالعاصمة السودانية الخرطوم، بهدف «تقوية الروابط بين إذاعات الدول العربية والتعاون بينها، وتطوير إنتاجها شكلاً ومضموناً». ويوجد مقر «اتحاد إذاعات الدول العربية» حالياً في العاصمة التونسية. وواكبت الإذاعة، شبكة الإنترنت واندمجت مع عالمه، فكانت أولى التجارب في المملكة الأردنية الهاشمية في عام 2000 مع إذاعة «عمّان نت»، الذي صار اسمها لاحقا «راديو البلد»، كأول إذاعة عربية تبث برامجها بالصوت على الإنترنت، لتتحول بعد خمسة أعوام إلى إذاعة تقليدية تبث عبر موجات الأثير.

«صوت الإمارات العربية»
«إذاعة دبي» هي أول إذاعة صدحت في فضاء الإمارات، وكان ذلك في عام 1966، وانطلق بثّها من الشارقة، وهي إذاعة مملوكة لحكومة دبي، وما لبثت أن احتلت مكانة مرموقة في الخليج العربي. ولحق التطور والتحديث على صعد التقنية والمضمون الإعلامي إداراتها كافة، وفي 25 فبراير 1969، طرق آذاننا صوت رخيم يهز الوجدان، وسرعان ما عرف عن نفسه بأنه «إذاعة أبوظبي»، وسُميت وقتها «إذاعة صوت الإمارات العربية» بعد قيام الاتحاد، وتشهد هذه الإذاعة حتى اليوم، تطورات متتالية في تقنياتها ومحتواها الإعلامي. وتلتها «إذاعة رأس الخيمة»، التي انطلقت في سبتمبر 1972. وفي الإمارات أيضاً دخلت «إذاعة أم القيوين»، حيز البث في الأول من مارس عام 1978، واتسمت برامجها بالخفة والسرعة اللتين ساعدتاها على جذب كثير من المستمعين.

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث