الحكواتي المعاصر الـ«سوشيال ميديا» تستعيد تراث الأجداد

عمر البدوي  |   23 سبتمبر 2019

قديماً كان «الحكواتي» من أهم مصادر الترفيه في التاريخ الاجتماعي العربي، ولوقت قريب كان يتحلَّق حوله رواد المقاهي لمتابعة قصص البطولات والفروسية، وكان قادراً بمهارته السردية على حبس أنفاس الجمهور حتى رُوي أن مستمعاً لم يستطع النوم بعدما انتهت حكاية الليلة بأسر عنترة بن شداد، وما كان منه إلا أن أيقظ الحكواتي من نومه، وهدده بالقتل إن لم يفك أسره، فخاف الحكواتي، وأكمل القصة التي أُطلِق فيها سراح الفارس.

برع بعض نجوم «السوشيال ميديا» السعوديين في اجتراح تجربة لافتة، بتقديم أنفسهم عبر حكايات من الماضي والتاريخ وطرحها بنفس جديد وروح معاصرة، جعلت منهم ومن تلك القصص محط أنظار ومتابعة وجماهيرية تزداد في كل مرة.

شغف التاريخ
واحد من نخبة مشهوري الشباب السعوديين، تخصص في مجال البحث عن الحضارات القديمة والأديان، له جماهيرية واسعة منذ صدر كتابه الأول (أقوم قيلاً) والآخر (تثريب) وبالتزامن أصبح وجهاً مألوفاً على منصتي السناب شات وتويتر. يبث الموسى نتاج قراءاته وبحثه ورحلاته واهتماماته بالتاريخ وبالأخص حضارات ما قبل التاريخ والأديان القديمة والحديثة وعلوم المنطق والفلسفة.

بدأت قصته مع علوم الأديان عندما لم يجد إجابة عن أسئلة ملحد قابله في لندن أثناء رحلته السياحية مع عائلته، ليكتشف بعد ذلك أنه لا يملك أي إجابة عن تلك التساؤلات، فحمله ذلك على إشباع فضوله، وبدء رحلة البحث في علوم الأديان والحضارات ليخرج بأطروحات لافتة، كانت حصيلة مجهوده الشخصي عن طريق التعليم الذاتي والانغماس في البحث والقراءة. ويقوم بإلقاء بعض المحاضرات في الجامعات والمؤتمرات المحلية والعالمية حول الأديان والحضارات. يعمل اليوم على نشر بعض الفيديوهات عن طريق تطبيق «السناب شات» والتي يتحدث فيها عن بعض المعلومات التاريخية المتعلقة بالحضارات والأديان السماوية وبعض المعلومات الشخصية.

لهجة عامية
الشاب السعودي نايف حمدان العتيبي يتابعه الملايين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سيما تطبيق «سناب شات» الذي استثمره لمشاركة متتبعيه قصصاً من التاريخ الضارب بأطنابه في جذور الجزيرة العربية.

على قاعدة أن (التاريخ ليس حكراً على أحد) يروي حمدان ما يلتقطه من أحشاء التاريخ ويسرد قصصه باللهجة العامية وعلى طريقته الخاصة في ترتيب الحبكة وضبط إيقاع الحكاية، الأمر الذي جعل له ولحكاياته قبولاً وتفاعلاً كبيرين على مواقع التواصل الاجتماعي. قادته الصدفة المحضة للتعلق بالتاريخ وحكاياته المجهولة عن عامة الناس، قبل أن يقبل عليها ويعكف على قراءة المصادر، ويطور آلياته الشخصية للفهم والقصّ والضغط على بعض زوايا الحكايات.

يهتم حمدان بنشر قصة واحدة كل أسبوع، ولا يتبنى قصة ما قبل أن يقضي بعض الوقت في مراجعة المصادر المختلفة، ويبدأ في صياغتها بطريقته، وبلغة بسيطة يفهمها الصغير قبل الكبير، معتمداً بذلك على وصف الأحداث والأماكن التي تكون بها الشخصية، وذلك حتى يبدأ المتلقي بالتخيل معه والدخول في أجواء القصة، مع إضافة بعض الأمور البسيطة التي لا تؤثر في القصة وأحداثها، ولكن تضمن انتباه المتلقي وتشويقه أكثر.

فحص الذات
يعتبر الشاب لؤي الشريف، المولود عام 1982، واحداً من أوائل المهتمين بالبحث والدراسة والتنقيب عن لغة وآثار وحضارات الجزيرة العربية، وتقديمها لجمهوره ومتابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة مبسطة وسهلة. ضاعف الشريف من التعمق في اهتماماته التي استحوذت على تفكيره ووقته وأصبح واحداً ممن تروق أطروحاتهم لجمهور تعرف إلى الكثير من التفاصيل المجهولة من تاريخه الاجتماعي والتضاريسي بفضل الجهد الذي بذله الشريف، ولقي في أول الأمر رفضاً ومقاومة عريضة لأنه فيما يبدو لامس سقف الممنوعات والمسكوت عنه من تاريخ الجزيرة العربية.

الشريف، إلى جانب ذلك، يعتبر كاتباً ومبرمجاً ومُقدِّم برامج سعودياً، منها برنامج فلمها وهو صَاحب فِكرته. يتميِّز تقديمه بوضوحه التام وطريقته المُميَّزة وأسلوبه الرائع، وهو مُبرمج حاسوب ويُتقن أربع لغات العربية والإنجليزية والفرنسية والعبرية. ورغبة منه في زيادة التعريف بأرض الجزيرة العربية وما حوته من تاريخ عريق وحضارات متعاقبة، اندثرت ولم يبقَ منها سوى أطلال دارسة ونتف من الحكايات المبثوثة في شتات المؤلفات والمصادر التاريخية، قدم على شاشة التلفزيون برنامجاً ترفيهياً بالشراكة مع مذيع آخر في موسمه الأول، حمل اسم (لفة المملكة) ويصور مجموعة مغامرات ورحلات تتسم بالإثارة والمخاطرة، أبطالها شباب سعوديون يحاولون استكشاف مواقع ومناطق مغمورة في المملكة، ويتعرف المشاهدون إلى تقاليد وثقافات ومواقع تاريخية وأخرى جذابة للعديد من القرى والمحافظات والمناطق السعودية.

إعادة ارتباط
محمد الروقي ويشتهر على مواقع التواصل الاجتماعي بـ(موحا)، شاب سعودي مهتم بالتاريخ والحضارات القديمة، يطرح نفسه على منصة «سناب شات» كواحد من أشهر الحكائين الشباب السعوديين، وتجد قصصه التي يستخرجها من بطون الكتب والمراجع التاريخية رواجاً كبيراً بفضل أسلوبه العفوي والسلس في روايتها وربطها بالواقع، لاسيما المناسبات والمواقف التي تتصل بالتاريخ الحديث والمعاصر للسعودية.

نجح الشاب الروقي في زيادة ارتباط المجتمع السعودي بقيمه البدوية وتاريخه السياسي والاجتماعي المعاصر وتراث بلده وثقافته التي قد تتعرض لبعض الانتقاص، ولكن وبسرده المتصل بالتاريخ يعيد موقع هذا التراث في نفوس جمهوره.