«الصرع الصغير».. أسبابه وعلاجه

زهرة الخليج  |   27 يناير 2020

«الصرع الصغير».. أحد أنواع مرض الصرع Epilepsy، لكنه من نوع النوبة الصغيرة، ومتعارف عليه اليوم باسم Absence seizure، وبالعربية يعني: النوبة الصرعية المصحوبة بغياب بسيط عن الوعي. يأتي هذا المرض عبر نوبات صغيرة، تكون مصحوبة بتوقف مفاجئ عن الإدراك، ويعتبر شائعاً بين الأطفال، ويرى الشخص المراقب لحالة الطفل المصاب به، أنه مستغرق في أحلام اليقظة وغير مدرك لكل ما يدور حوله.

ومقارنة بالأنواع الأخرى من مرض الصرع، فإن «الصرع الصغير» نوع سهل نسبياً. لكن حتى هذا النوع قد يشكل خطراً على الحياة. يحتاج الأطفال الذين يعانون هذا المرض للإشراف والمراقبة خلال الاستحمام أو السباحة، وذلك من أجل حمايتهم من الغرق. وفي الجيل المتقدم عليهم الامتناع عن السياقة أو القيام بأي أنشطة أخرى، قد يؤدي فقدان التركيز خلالها لضرر كبير. كما يمكن السيطرة على المرض بمساعدة علاج مضاد للصرع، ومع التقدم في السن يختفي المرض ولكنه في حالات نادرة يستمر أيضاً عند البلوغ، بل إنه قد يتفاقم ليصيب المريض بنوبات كبيرة Grand mal.

الأعراض

يبين الدكتور حمزة السيوف، استشاري أعصاب ودماغ الأطفال، أن أعراض مرض «الصرع الصغير»، إضافة إلى تراجع القدرة على الوعي (الإدراك)، هي: (عض الشفتين. رفرفة الجفون. حركات تشبه المضغ. حملة العينين دون حركة، والقيام بحركات في إحدى أو كلتا اليدين).

يضيف السيوف: «تستمر الحالة لثوان عدة، ويكون الشفاء الكامل فورياً. بعد النوبة، لا يكون هناك ارتباك من النوع الذي يميز أنواع النوبات الأخرى، ولا يتذكر المريض أي شيء مما حصل معه خلال النوبة. من الممكن أن يمر الشخص بمئات النوبات في اليوم، مما قد يضر بتحصيله العلمي أو بعمله. وفي حال كانت النوبة خلال المشي أو خلال أي نشاط معقد آخر، لا يسقط المريض، ولكنه لا يكون مدركاً لأفعاله في تلك اللحظة.

أحياناً، لا يتم الانتباه للنوبات نفسها، إذ إنها تكون قصيرة، ويكون العَرَض الأولي للمرض هو التراجع المفاجئ في المستوى التعليمي من دون سبب واضح».

أسبابه وخطورته

بشكل عام، تحصل النوبات حين تعمل الخلية العصبية (عَصَبون – Neuron) بصورة غير سليمة. تتصل الخلايا العصبية واحدة بالأخرى بوا انتقال إشارات كهربائية وكيميائية في المشابك Synapse. عند النوبة يكون النشاط الكهربائي مشوشاً، ويحدث نشاط مُزامن Synchronous غير سليم، يتميز بتردد من ثلاث موجات في الثانية.

في الغالب لا يوجد مسبب واضح للمرض. ولكن، كما يبدو، فإن له علاقة بمسببات جينية. كما من الممكن أن تؤدي حالات فرط التهوية Hyperventilation لحصول النوبة. لدى الأشخاص الذين يعانون النوبات وُجدت درجات مرتفعة من الناقلات العصبية Neurotransmitter في الدماغ. كما يبدو أن نسبة الانتشار المرتفعة بين الأطفال تتعلق بالكميات الكبيرة من المشابك التي يتم إنتاجها لديهم. لذلك، يختفي المرض في العديد من الأحيان مع البلوغ ومع تباطؤ معدل إنتاج المشابك.

 مضاعفاته

يؤكد السيوف: «تختفي النوبات في الغالب مع البلوغ، ولكنها تستمر في العديد من الأحيان مدى الحياة، أو أنها قد تتفاقم إلى حد التحول لنوبات أصعب. حتى إذا اختفت النوبات في مرحلة الطفولة، تكون هناك مضاعفات، وذلك لأن الطفل الذي مر بنوبات عديدة، قد يطور اضطرابات تعليمية حتى بعد اختفاء المرض. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر نوبة الصرع التي تستمر لأكثر من دقائق عدة حالة خطيرة تستلزم علاجاً طبياً فورياً، وهي تسمى Absence status epilepticus».

التشخيص

هنالك حالات معينة يمكنها محاكاة «الصرع الصغير»، لكن في إمكاننا إيقافها بواسطة المناداة باسم المريض أو لمسه. من ناحية أخرى، لا يختفي المرض بسبب تحفيز خارجي، وهو قادر على الظهور وقت السباحة أو خلال أي  نشاط آخر. وللتشخيص النهائي للمرض يجب إجراء:  تخطيط كهربية الدماغ Electroencephalography – EEG: وفي هذا الفحص يتم إلصاق قطب كهربي electrode على الجمجمة، ويقوم هذا بدوره بقياس النشاط الكهربي في الدماغ. وفي حال وجود صرع (نوبة)، يمكن رؤية ذلك على شكل أمواج كهربائية في الدماغ. إذا لم تظهر نوبة عفوية Spontaneous يمكن أن نحاول تحفيز نوبة بواسطة فرط التهوية أو الإضاءة الوامضة. فضلاً عن التصوير بالرنين المغناطيسي Magnetic resonance imaging – MRI: يجرى هذا الفحص بهدف التأكد من عدم وجود اضطرابات أخرى، والتي من شأنها أن تؤدي إلى أعراض شبيهة بأعراض «الصرع الصغير». لا يحتوي هذا الفحص على إشعاع مؤيّن Ionizing radiation ولكن تكلفته مرتفعة، وفي الغالب لا تكون له حاجة.

العلاج

يوضح السيوف: «تعتبر أدوية عديدة ناجعة في علاج الصرع عند الأطفال، وتقوم بتخفيف أو إزالة نوبات «الصرع الصغير». لكن عملية البحث عن الدواء المناسب والجرعة الصحيحة، هي عملية طويلة تتطلب المرور بفترة معينة من التجربة والخطأ. كذلك، فإن تناول الدواء وفق الجرعات الدقيقة وفي وقت ثابت، أمر ضروري لنجاح العلاج». ويؤكد السيوف: «الدواء الأكثر انتشاراً لعلاج هذا المرض، هو الإيثوسكسيميد Ethosuximide، ومن الممكن أيضاً استخدام حمض الفالبوريك Valporic acid واللاموتريجين Lamotrigine للعلاج في بعض الأحيان. يبدأ العلاج بإعطاء جرعة بالحد الأدنى، ثم تبدأ زيادة الجرعات إلى حين الوصول إلى الجرعة الصحيحة التي تعطي التأثير المطلوب مع أقل قدر ممكن من الأعراض الجانبية. بعد سنتين من دون نوبات صرع، يصبح من الممكن التفكير بإمكانية إيقاف العلاج».

من المحبذ وضع سوار في اليد، يكتب عليه نوع المرض والأدوية التي يتعاطاها المريض، بالإضافة لتعليمات تتعلق بالإجراءات التي يجب اتخاذها في حالات الطوارئ. بالنسبة إلى الأطفال، من المستحسن إخبار المعلمين، بما يعانيه الطفل وبكيفية التصرف عند حصول النوبة وفي حالات الطوارئ.

من الممكن أن يكون المرض محبطاً، وقد يكون الخوف من النوبة سبباً لتوقف مسار الحياة الطبيعي للمصاب، لكن من المهم المحاولة وعدم تقييد الطفل أكثر مما يجب. كما توجد مجموعات دعم وجمعية لمرضى الصرع، من شأنها أن تساعد على مواجهة المرض وأعراضه.