«بيبي بلوز» كآبة الأمهات الجديدات

نوال نصر  |   10 أبريل 2020

كانت هبة مبتسمة ومليئة بالدينامية والحيوية والتفاؤل، وانتظرت ولادة طفلتها الأولى على أحرّ من الجمر. وطالما اعتبرت هذه المولودة هبتها من السماء. لكن، بعد أقل من 48 ساعة على الولادة، تبدلت حالها رأساً على عقب. تغير مزاجها وأصبحت تتحيّن فرصة البقاء وحيدة كي تغضب وتبكي وتصرخ، من دون أن تسأل لماذا؟ أفكار جنونية، غريبة، تلاحقها. فماذا بها؟ كآبة ما بعد الولادة، أو ذهان ما بعد الولادة، أو شيء آخر تعرضت له هبة، وقد تتعرض له أي امرأة بعد الولادة؟ وهل هي مرحلة مؤقتة ستمر، أم أن حالتها النفسية القاهرة تحتاج، بشكلٍ عاجل، إلى معالج نفسي؟

«بيبي بلوز»

بدل أن تعيش هبة، بعد ولادة طفلتها، أحلى لحظات عمرها، تعيش أوجاعاً نفسية شديدة دفعت زوجها إلى سؤال طبيبها النسائي. فهل حالتها النفسية تستدعي طبيباً نفسياً؟
الاختصاصي في الطب النفسي الدكتور سمير جاموس، يشير إلى ما يحدث في جسم المرأة بعد الولادة ويؤدي بها إلى الاكتئاب وذهان وتغييرات، بالقول: «ليست المرأة الوحيدة التي قد تمرّ بهذه الحالات فالرجل، الأب، بعد أن تلد زوجته، قد يمرّ بحالات مماثلة لكن بنسب أقل بكثير لا بل نادرة».
يشدد الدكتور جاموس أن اكتئاب ما بعد الولادة «بيبي بلوز»، لا يتشابه مع ذهان ما بعد الولادة، موضحاً: «يكون لدى بعض النساء استعداد أكثر من سواهن للإصابة بالاكتئاب أو الهذيان، لكن الانتكاسة قد لا تظهر إلا بعد الولادة، وفي حال حدثت بعد خمسة أشهر أو ستة علينا أن نتحدث حينها عن انفصام في الشخصية وهو ما يُحدد في الطبّ بمقولة الفصام».
ليس ضرورياً أن تصاب المرأة نفسها، إثر كل ولادة، بنفس أعراض الاكتئاب أو الذهان التي أصابتها إثر ولادة سابقة. وليس ضرورياً أن تعتقد أنها محمية منها إذا لم تصب بها في ولادات سابقة. هذا معناه أن كل النساء، اللواتي سبق أن أنجبن أو لم ينجبن بعد، معرضات للانتكاسة في لحظة ما إثر الولادة إذا توافرت الأسباب.

معالجة نفسية

هناك نساء يعانين اكتئاب ما بعد الولادة «بيبي بلوز» والفارق بينه وبين ذهان ما بعد الولادة هو أن الأول يختفي تلقائياً، وحده، بلا علاج نفسي خلال أيام، أما الثاني فيحتاج إلى علاج فوري وقد يحتاج إلى أشهر لتشفى المرأة منه، وقد لا تشفى.
وتظهر هذه الأنواع من المشاكل النفسية بسبب تأثير الهرمونات غالباً. كما أن شخصية الأم تلعب هي أيضاً دوراً. وخوفها من المسؤولية الذي قد لا تقرّ به علنا ويُنغص نفسيتها سراً. ويشرح جاموس: «علاج الذهان طويل أما اكتئاب ما بعد الولادة، الذي تشفى منه بنسبة 99 تلقائياً، فنُحبذ متابعة المرأة كي نتأكد من شفائها تماماً وعدم مرورها مجدداً بعد أشهر بحالة اكتئاب ثانية كما كثير من النساء. العلاج يمنحها مناعة كي لا تنتكس مرة ثانية».

أسباب أكثر

إنجاب طفل يزيد من القلق على المستقبل، بغض النظر عن حجم محبتكنّ إلى أطفالكنّ. والطفل يحرم والدته (ووالده) من النوم العميق ويرتب مسؤوليات جديدة. وتحدث خلال هذه الفترة تغييرات هرمونية مفاجئة، مصحوبة بحرمان من النوم وعزلة وتوتر. مما يؤدي إلى اكتئاب قد يبقى خفيفاً أو يتحول إلى شديد، ويبدأ بعد يومين من الولادة ويصل إلى ذروته في آخر الأسبوع الأول، ليعود ويتناقص مع حلول نهاية الأسبوع الثاني.
إذا لم تنتهِ هذه الحالة خلال أسبوعين، تكون المرأة قد دخلت مرحلة الاكتئاب الفعلي أو الذهان. قد نراها تبكي، تغضب، تحزن، ولا تنام. وهناك نساء قد يواجهن أفكاراً انتحارية. ولا يوجد سبب واحد يشي بسبب تطور مثل هذه الحالات عند نساءٍ من دون نساء. لكن يبقى السبب الهرموني أساسياً حيث تعاني النساء، إثر الولادة، انخفاض كبير في مستوى هرموني الأستروجين والبروجستيرون، كما يمكن أن تنخفض مستويات الغدة الدرقية أيضاً، مما يؤدي إلى التعب والاكتئاب. وهذه التغيرات الهرمونية السريعة، إلى جانب المتغيرات في ضغط الدم وعمل الجهاز المناعي والتمثيل الغذائي الذي تعانيه الأمهات الحديثات الولادة. وكلّ هذه العناصر قد تعزز حالة الاكتئاب ما بعد الولادة.

عوامل مهيئة

هناك عوامل أخرى تهيئ حدوث حالة اكتئاب ما بعد الولادة. من حدثت معها هذه الحالة مرة معرضة للإصابة بها بنسبة تتراوح بين 30 و50 مرة ثانية. الضغوط الاجتماعية المحيطة، تعزز إمكانية حصول هذا النوع من الاكتئاب خصوصاً في ظلّ عدم وجود دعم عاطفي من الشريك. العوز المالي عامل آخر أيضاً ومثله توقف المرأة عن تناول أدوية معينة، في شكلٍ مفاجئ، بسبب الحمل.
في حالة ذهان ما بعد الولادة، تفقد المرأة «الاتصال» مع الواقع، وقد يطلب المعالج النفسي في مثل هذه الحالة إبعاد الطفل عن أمه حفاظاً على سلامته. ويتطور الذهان خلال أول أسبوعين بعد الولادة وأحياناً خلال 48 ساعة منها. وأبرز أعراضها: الهلوسة، الأوهام، التحريض الشديد والقلق الشديد، الأفكار أو الأفعال الانتحارية، الارتباك، تقلب المزاج السريع، عدم القدرة على تناول الطعام أو النوم. في كل حال يهم أن تعرف كل امرأة أن هذه الحالة النفسية قد تكون خفيفة أو شديدة. وعلاجها ضروري جداً.

نصائح  للحامل

• انضمي إلى صفوف رياضة اليوغا التي لها فعالية كبيرة في تحسين المزاج. وحاولي أن تنامي أكثر، لأن قلة النوم والأرق تزيد منسوب الكآبة.
• انتبهي إلى مستوى سكر الدم في جسمك، لأن انخفاضه ونقص الصوديوم يؤديان إلى تصرفات غريبة.
• اختبار بسيط للغدة الدرقية قد يفيد، لأن انخفاض مستوى عمل هذه الغدة يمكن أن يسبب تغيرات في المزاج.
• نقص فيتامين B12 يؤثر سلباً. انتبهي إلى معدل هذا الفيتامين في جسمك في هذه المرحلة، وإلى مستوى الفولات والثيامين.
• حين تشعرين بالاكتئاب والضعف، اتصلي بصديقة حتى ولو كنت تشعرين بالحاجة أن تبقي وحيدة. عزل النفس يعزز المشكلة.
• إذا كانت في عائلتك حالة سابقة من ذهان ما بعد الولادة، أخبري طبيبك من أجل وضع خطة مبكرة في سبيل منع حدوث أي مشاكل. وإذا كنتِ قد تناولتِ قبل الحمل دواءً مضاداً للمزاج السيئ أخبري طبيبك.