حكاية مريم يعقوب..بين الجلي والخياطة والمرض

علي رياض  |   7 مارس 2012

في ذلك البيت المتواضع، وضمن مساحة لا تتعدّى بضعة أمتار تضمّ ماكينة خياطة قديمة، تقبع (مريم يعقوب ، 53 عاماً) الأمّ لستّ بنات و المعيلة الوحيدة لعائلتها على الرغم من وجود زوجها الذي يمكث حاليّاً في المنزل من دون عمل.

قُبيل الحوار، كانت العائلة برمّتها تسهر على أحد برامج التلفاز ، لتُقبل هي من مطبخها المتهالك متصببة عرقاً من نقل (سطول) الماء بسبب انقطاعها عن المنزل، و مقارعة الجلي الذي هو بمثابة الاستراحة من رحلة الخياطة طوال اليوم .

احتاجت لدقائق عشر كيّ تلتقط أنفاسها و كيّ تريح ظهرها و رقبتها من عناء (الديسك) الذي ألمّ بهما منذ سنوات .

شريط الذكريات المعبّق بالتفاني و التضحية كان يدور في عينيها وهي تهمّ بالحديث.. الشريط الذي بدأ منذ كانت طفلة في الصفّ التاسع ومنذ قرّرّت ترك المدرسة لتعين والديها على مصاريف الحياة . تقول "كنّا ثمان بنات و ثلاثة أولاد صغار و لم تكن مهنة أبي بالسهلة فقد كان يعمل في قطاع البناء".

 تروي كيف احتارت منذ البداية في إيجاد مهنة مناسبة لها ، لتكون الخياطة التي لازمتها حتّى الآن . تقول "عندما خاطت أمّي ذات مرّة فستاناً و رأيت كيف احتار والدي في تأمين ثمن خياطته قرّرّت حينها أن أتعلّم هذه المهنة و أن أختصر على والديّ و أخواتي أثمان الخياطة عند الغير".

تكمل عن تعلمها في الخياطة كلّ ما من شأنه اختصار التكاليف ، فتقول "تعلّمت الدرز و التطريز و ثقب الأزرار و الرتق".

ثمّ تشير لتبنّيها "دورة تعليم خياطة لبنات الحيّ حينها" . و تستذكر كيف كانت تدّخر المصروف الذي يعطيها إيّاه والدها و تنفق على ما تحتاجه و أخواتها من أثمان الخياطة التي كانت زهيدة في حينها "حيث كان ثمن خياطة الفستان دينارين و نصف".

و عند زواج مريم بطريقة تقليديّة في عام 1976 ابتدأت المرحلة الثانية من حياتها و التي تصفها ب "بداية الجهاد الحقيقي لي". فقد عاشت مريم في بيت عائلة زوجها متكفّلة بكلّ الأعباء المنزليّة لسبعة شبّان و ستّ بنات و والديّ زوجها الذي سافر حينها لقطر ثمّ للجزائر في عمل . و تستذكر كيف أنّها اعتمدت حينها على "إرضاع طفلتيها رضاعة طبيعيّة لتقليص المصروف الذي لم تكن تمسك منه ديناراً واحداً بل كان في يدّ أسرة زوجها ".

ثمّ تروي كيف تعاقبت السنوات على زوجها في السجن لأكثر من مرّة ، و هو ما جعلها "الأمّ و الأبّ في حياة بناتها ". وتشير لماكينة الخياطة التي جمعت ثمنها بالكاد بعد أن استولت والدة زوجها على تلك القديمة كيّ تضطّرها للمكوث في بيت العائلة بعد أن استأجرت لها ولبناتها هذا البيت الصغير الذي يلتهم إيجاره البالغ خمسون ديناراً معظم ما تجنيه من مهنتها الشاقّة.

 

استغلّت مريم الوقت أثناء سردها ذكرياتها في خياطة (بناطيل رياضة) لبعض أطفال الحيّ . حتّى اضطررنا للدخول لغرفتها كيّ نكمل الحديث لأنّ زوجها و زوج ابنتها قد طلبوا المرور من المدخل الذي كنّا نجلس فيه. حيث أنّ زوجها قد خرج من إحدى فصول سجنه منذ مدّة ليست بالبعيدة ، كما أنّ زوج ابنتها يمكث معظم الوقت عندهم بسبب اغتراب الابنة في الكويت كيّ تؤمّن حياة أفضل لطفلها الذي ما انفكّ يلاعب جدّته أثناء الحديث.

تذكر كيف أنّها حرصت على عدم إشعار بناتها بأيّ نقص بسبب وضعهنّ الإجتماعيّ حيث سعت "لتدليلهنّ و بناء جسور الثقة معهنّ لأنهنّ الأمل الذي ترتجيه في حياتها".

 في أثناء حديثنا قاطعتنا ابنتها (لميس ، 21 عاماً) و التي تعاني من عدم النطق و السمع . مُحاوِلة فهم نوع الحديث الدائر ، لتذكر أمّها كيف أنّها قاست في أيام الشتاء و الثلج عناء اصطحابها  لمدرسة الصمّ و البكم الداخليّة في منطقة القويسمة "و التي رفضت استقبالها بعد أن بلغت الخامسة عشر ".

تختتم مريم حديثها بعرض التقرير الطبيّ الذي حسم فيه الطبيب علاجها ب"ضرورة إجراء عملية في الكفيّن بسبب تأثير عصب الرقبة عليهما ما يسبّبّ الخدران الكامل فيهما". و تبرّرّ رفضها القيام بالعمليّة ، على الرغم من كونها على نفقة الديوان الملكيّ ، بأنّها لا تتمكّن من ترك إعالة الأسرة في أثناء مرحلة الاستطباب و العلاج.

و كانت الباحثة المصريّة الدكتورة هبة نصار قد أكّدت في أحد أبحاثها على أنّ  ظاهرة النساء المعيلات هي ظاهرة منتشرة في العالم الثالث بشكل ملحوظ حيث تصل نسبتهن واحدة من كل ثلاث نساء‏. وأنّهنّ يتركزن في المناطق الشعبية الفقيرة.

و تطالب منظّمات حقوق المرأة بعدة مطالب تشد من أزر المرأة المعيلة عبر برامج الضمان الاجتماعي و التأمين الصحي لهن و لأبنائهن . بالإضافة لضرورة إعفائهن من مصاريف أبنائهن الدراسية أو على الأقلّ التخفيف منها . كما تطالب هذه المنظّمات بضرورة تسهيل أخذهنّ القروض التي تعين على بدء مشاريع تنمويّة بسيطة . عدا عن ضرورة تكثيف برامج محو الأمية بينهنّ لتأمين فرص عمل أفضل لهن.

و يشير أستاذ الشريعة الدكتور علي الصوّا إلى الرأي الشرعي في حالة المرأة المعيلة قائلاً " ضمن الإسلام للمرأة حقّ النفقة عليها من وليّ الأمر سواءً كان أباً أم أخاً أم زوجاً"، مستدركا "أما إذا اضطّرت المرأة للعمل لسبب أو لآخر فلها الأجر الكبير إذا كان عملها لا يخالف قواعد الشرع ، و إن كان الإسلام لا يلزمها بالعمل حتّى و إن كانت مضطّرة"، موضّحاً بأنّه تجب نفقتها حينها على "بيت مال المسلمين".

و يشير لثواب المرأة المعيلة ، و التي تقاس على "كافل الأيتام"؛ إذ  لها أجر صحبة رسول الله صلّى الله عليه و سلّم ، و عظيم الأجر عند الله، بحسبه.