الجريمة الحقيقية وراء اختطاف صلاح الشرنوبي!

طارق الشناوي  |   26 أغسطس 2013

عاد الملحن صلاح الشرنوبي إلى بيته وعوده بعدما نجحت الشرطة المصرية في تحريره من أيدي مختطفيه، وبدأت تتكشف تفاصيل الجريمة. إلا أنّ هناك وجهاً آخر لتلك الحكاية يفضح مع الأسف الكثير مما يجري في الوسط الغنائي. إنها جريمة أخرى نلخّصها في ثلاثة عناصر: مطربة بلا موهبة، وثري عربي يدفع، وملحن يحصل على الثمن ولا يعنيه شيء آخر سوى المقابل المادي.

الرغبة في الانتقام كانت الدافع وراء جريمة خطف صلاح  الشرنوبي. الحكاية بدأت مع سامح مطرب بلا صوت، يعتقد أنّ لحناً من صلاح سوف يصعد به في لحظة إلى آفاق النجومية. صلاح يطلب مقابلاً ضخماً يتجاوز المليون جنيه مصري ما يساوي وقتها 200 ألف دولار. 

وهناك ثري عربي على استعداد أن يدفع، ثم يتهرب صلاح من التسجيل ويرفض إعادة النقود، فيقرّر الثري ترويعه ليعيد إليه الأموال، مستغلاً نقطة ضعفه هي أنّ هناك من سيدفع له. هكذا نقرأ أنه استعان بفتاة اسمها الحركي حنين لا علاقة لها بالغناء. لكنها سوف تقنع صلاح أنّ هناك ثرياً عربياً سيدفع له 100 ألف جنيه مصري (تساوي 17 ألف دولار) وتنجح الخطة. ويأكل صلاح الطُعم. ولهذا عندما سألوه كيف وافق على التلحين لهذه المطربة المزيفة، قال إنّ صوتها حلو. ولا أتصور أنّ هذه قناعة صلاح. المؤكد أنه لم يكن يعنيه صوتها، لكنّه كان ينتظر أن يحصل على الثمن من الثري العربي الذي اتضح أنه كان هو الآخر يؤدي دوراً فلا هو ثري ولا هو عربي.

المعروف أنّ صلاح قد أدين من قبل جنائياً بالسجن بتهمة كتابة شيكات من دون رصيد. وربما بسبب الاحتياج المادي، أصبح يقبل التلحين لمن يدفع ولا يعنيه قيمة الصوت. هو لا يبيع لحنه بقدر ما يبيع توقيع اسمه على اللحن! إنها بلا شك مأساة ملحن كبير. إنّه الملحن المصري الوحيد ـ طبقاً لأوراق جمعية المؤلفين والملحنين ـ الذي يخترق تلك الكوكبة من كبار عمالقة النغم كمحمد عبد الوهاب، وبليغ حمدي، وفريد الأطرش، ومحمد الموجي، ورياض السنباطي، أصحاب الأداء العلني الأعلى. صلاح يحتل مكانة متقدمة بين كل هؤلاء الكبار. وهذا يعني أنّ أغنياته تتردد بكثرة عبر الفضائيات، انطلق من "بتونس بيك" لوردة لتجده مع راغب علامة في "مغرم يا ليل"، وجورج وسوف (كلام الناس)، ولطيفة (بحب في غرامك) وذكرى (وحياتي عندك). إنه صاحب النغمة القادرة على الانتشار التي يألفها الناس بمجرد تردادها.

ظلّ صلاح في القمة، إلا أنه اختفى في السنوات الخمس الأخيرة. لكن قبل أن يحدث ذلك، كان قد تورط في الإنتاج. وبالفعل قدّم لوردة مسلسل "آن الأوان" الذي لم يستطع تحقيق أي قدر من النجاح لكل المشاركين فيه. وبالإضافة إلى ذلك، أتصوره تسبّب في خسارة مالية ضخمة لصلاح أوقعته في العديد من العثرات المادية أودت به إلى السجن قبل سنوات.

سألته: لماذا ابتعدت؟ أجاب: إنّه المناخ العام. وكان رأيه أنّ ألحان هذه الأيام لن يكتب لها البقاء. كما انتقد بضراوة توجّه وردة إلى الغناء من ألحان تامر حسني. ووجد أنّ وردة تهين تاريخها بإقدامها على ذلك مثلما يغني عبد الوهاب مثلاً من ألحان المونولجيست محمود شكوكو. شيء من هذا كان يتعرض له صلاح الشرنوبي. كلما حقق نجاحاً جماهيرياً يصفون جملته الموسيقية باعتبارها مجرد "إيفيه" يخبو سريعاً. والبعض كان يعتبر أغنياته مثل أوراق "الكلينكس". إلا أنّ الواقع يؤكد أنّ صلاح لا يزال يحتل المقدمة بين كبار الملحنين في مصر.

وتحمل علاقته بوردة الكثير من المتناقضات. الألحان التي منحها لها صنعت البريق لاسمه. ووردة أيضاً تدرك أنّ صلاح أعادها مرة أخرى إلى الشارع لتواصل لقاءها بالناس بإيقاع وألحان عصرية. إلا أنه طالبها بالاعتزال بعد صدور شريطها الأخير.

صلاح الشرنوبي الإسكندراني المولد، خريج كلية الهندسة الذي تعلم الموسيقى بمجهود ذاتي بعدما سبقه شقيقه الملحن فاروق الشرنوبي، كان يعزف على آلة الكمان، ثم تعلّم العود وصار في السنوات الخمس الأخيرة يتحدث أكثر مما يلحن. ولا يزال يبحث عن الجملة الموسيقية التي يرددها له الجمهور.

هذا الحادث يكشف الكثير من التفاصيل التي تستحقّ أن نتأملها بهدف رؤية كيفية تبديد المواهب. صلاح الشرنوبي صاحب الجملة الموسيقية الشجية والشعبية صار الآن لا يعنيه سوى جمع المال. وهكذا يتم اصطياده بعدما ألقوا له الطعم الذي جاء كناية عن مطربة وثري عربي. ولا أتصور أنّ صلاح فقط هو الذي وقع في المصيدة. هناك تنويعات عديدة في الوسط الغنائي على هذه الجريمة. إنّها نغمة متكررة: مطربة وثري وملحن يبدّد موهبته لمن يدفع!