رياضات مائيّة تخطف الأنفاس

زهرة الخليج

  |   1 أغسطس 2016
حين يلتقي النهر بالجبل، وتتكئ الآثار على التاريخ، وتنهمك الطبيعة في تسطير ملامح الجغرافيا، وحين تُصبح تموّجات النهر واحة، فرح ولطمات المياه َتحدياً نكون قد بلغنا نهر العاصي. ساعاتٌ أمضيناها على ضفافِ نهر العاصي، في أعالي سهل البقاع اللبناني، وعدنا بذكريات رائعة ستبقى راسخة في البال. وهل هناك أجمل من صوت خرير الماء وهو ينساب في بُقعةٍ نائية، بين أشجار الزيتون والسَّرْو والشَّرْبين، وصدَى قهقهات البشر، صغاراً وكباراً، تُشكل سيمفونية فرح؟ وهل هناك أحلى من لحظاتٍ يشتدُ فيها هذا الخرير، وتتحول المياه الساكنة تدريجياً إلى شلالات نابضة بالحياة؟ هناك، في أعالي سهل البقاع اللبناني، ترسم الطبيعة ما يُشبه الحلم وتُصبح القوارب المطاطية الملونة كما الحوريّات اللواتي يتمايلن في النهر، فرحات بالرَّذاذ وهو يلطمُ كل ما يُصادفه «العاصي» فيه. أوَليْسَ اسم النهر البقاعي اللبناني: عاصياً؟ نحتاج لبلوغ النهر إلى عبور نحو مئة وخمسين كيلومتراً من بيروت إلى منطقة الهرمل في البقاع، حيث ينبع قبل أن يغوص في سوريا ثم يصبّ في منطقة الإسكندرون قرب تركيا. النهر غزير في لبنان وهذا سرُّه. ولعلّ فَرَادته نالها من غَزارة هذا الماء وطبيعة أرضه، وشكل المطبّات فيه، وتَعدُّد شلالاته وجاذبية تفاصيله. الصيف يقترب. وفي الصيف يحلو الجلوس حول النهر وممارسة الرياضات المائية فيه. الاستعدادات لإعادة افتتاح المطاعم المتناثرة على ضفاف النهر بدأت. والأمنيات تتكرر بصيفٍ زاهٍ زاهرٍ، وبكثير من الزوّار، لأن ما قد يراهُ ويشعر به من يحلّ ضيفاً على هذا النهر، لن يراهُ ويشعر به في أي مكان آخر. نواد كثيرة تنتشر حول العاصي. عشرة. عشرون. أكثر من عشرين. العدد يتبدل سنوياً. وكل نادٍ أشبه بقرية متناغمة. بيوت خشبية، بلون الطبيعة، تستقبل القادمين من بعيد. الزائرون يمضون عادةً ليلتهم فوق ويعودون في اليوم الثاني. رائحة شياء البطاطا شهيّة. اللبنة البلدية والزعتر والزيت والكشك والزيتون الأسود البلدي وخبز الصاج الساخن عند الاستقبال دائماً.   سياحة بيئية مدير نادي «أكوا عاصي» محمد العميري، يبدو منهمكاً في تحضير القوارب المطاطية ونفخها لتتبارَى بشدّة مع الماء. هو افتتح ناديه قبل ثمانية أعوام لإتاحة الفرصة أمام من يعشق، مثله، رياضة الـ«رافتينغ» والـ«كاياك» والـ«كانوي»، والتحدي لممارسة هذه الهواية الرائعة. هو رياضي من زمان، منذ العام 2001، وسبق أن شارك مع مؤسّس اللعبة في لبنان علي عواضة في بطولة العالم في الـ«كاياك». لماذا كل هذا المديح الذي يناله العاصي دوناً عن سائر الأنهر في لبنان؟ يجيب العميري: السرُ يكمن في طبيعة نهر العاصي، الذي يحافظ على منسوب مياهه صيفاً وشتاءً، ما عَزّز فكرة تأسيس سياحة بيئية ورياضية حوله. وهذا ما تمّ. العاصي يملأ في الصيف بالسيّاح والرياضيين والناس العاديين، الذين يرغبون في اختبار شعور اللعب مع الماء، والتفنُّن في ممارسة الرياضة المائية في النهر. ننظُر إلى النهر. ثمّة امرأة تَسرَح فيه، بمجذافين، وحيدة على قارب جميل. هي امرأة أجنبية تمارس رياضة الـ«كاياك». تُرى ما الفارق بين الألعاب المائية الثلاث: الـ«كاياك» والـ«رافتنغ» والـ«كانوي»؟ الـ«كاياك» تُشبه لعبة الـ«سْكِي»، لكن على الماء، ويُمارسها شخص واحد، بينما الـ«كانوي» يتشارك فيها اثنان، أما الـ«رافتينغ» فهي لعبة جماعية تنطلق فيها مجموعة في قارب واحد، بستة مجاذيف أو أكثر، وبرفقة مُدرّب. الـ«رافتينغ» لعبة مائية مطلوبة أكثر، ومُسلّية أكثر، وشعبية أكثر، بينما الـ«كاياك» والـ«كانوي» تحتاجان إلى احتراف. أطفال يلهون على ضفاف النهر. شبابٌ يستعدون للصعود على قارب والذهاب في رحلة من العمر، صبايا يتمشين في الجوار، نساءٌ يتناولن الفطور، رجالٌ يصغون إلى هَمَسات الماء ويتابعون كل التفاصيل بدقّة. النّهر يشغل الجميع.   مبتدئون ومحترفون مدّة الرحلة تختلف بين مَن هو محترف أو من هو مبتدئ. المبتدئون يُشاركون في رحلات مائية مدّتها تتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات، وممنوع أن يتجاوزوا مراحل مُحدَّدة في النهر. أما المحترفون فتتراوح مدّة رحلتهم بين ثلاث ساعات وست ساعات، ويبلغوا مراحل يشعرون فيها بإثارة أكبر، ويرون جَمَالاً طبيعياً بمنسوب أعلى لكن حتى هؤلاء، المحترفين، ممنوع عليهم تجاوز نقاط مُعيّنة. السلامة العامة موجودة، وهي تبقى بالنسبة إلى النوادي البيئية الرياضية الأهم. مدير نادي «أكوا عاصي» يجزم بأنه، منذ افتتاح هذه الرياضة المائية في نهر العاصي، لم يحصل أي حادث باستثناء إلتواء إصبع، أو جرح قدم نتيجة تسرُّع من اللاعبين أنفسهم. أصوات الفرح ترتفع. الصبايا المشاركات في الرياضات المائية كثيرات. ولا فارق بين النساء والرجال في لعبة الـ«رافتنغ»، ربما لأن المشاركة فيها جماعية، وبالتالي قد يكفي أن يقوم رجلان بعملية الجذف حتى يُبحر القارب المطاطي. ثمّة قارب يدنو. ثمة شلالات في الجوار. ثمة لحظة رائعة. نسكت. ننظر. ننظر بإمعان أكثر. ننتظر هبوط القارب من ميل إلى ميل، بين طيّات الشلال. نكاد نشعر بخفقان قلوب الركاب. شعور غريب. الأدرينالين يرتفع. النهر غزير. واحد، اثنان، ثلاثة. نغمض عيوننا. نسمع صراخاً. نسمع ضحكاً. نفتح عيوننا فنرى الركاب في حالة نفسية رائعة بعد أن لطمتهم الشلالات ونجحنا، بمساعدة المدرب الحاضر دائماً طبعاً، في التغلب على الماء. تنتهي الرحلة. ينزلون بوجوه مشرقة وابتسامات واضحة وبمشاعر صعب أن تُروى. هناك خمسة شلالات يقطعها القارب، قارب المبتدئين، في مسافة تصل إلى سبعة كيلومترات تقريباً. شلالات تتدفّق غزيرة، قوية، رائعة، ولعلّ أكثرها إثارةً شلالات الدردارة. مصورون محترفون التقطوا صُوراً رائعة، والصبايا يتحلّقن حولهم للاختيار بينها. الصبايا يعشقنّ الصور فكيف إذا نقلت رحلتهن المائية المشوّقة. ممارسو الرياضة المائية يخلعون الملابس الرياضية الخاصة التي ارتدوها لزوم ركوب الطوف في النهر. الخوذة الملونة تُعاد هي أيضاً إلى النادي. الجوع كبير واللقمة شهية. ينتقل الركاب/الرياضيون إلى المطعم المجاور. يتناولون الطعام. يستريحون قليلاً ثم يذهبون إلى الجُرود لممارسة رياضَتَي المشي والتسلّق. يكاد لا يشعر السارح في جوار نهر العاصي بالتعب والإرهاق. الطبيعة تمنح دينامية هائلة رائعة. والحياة في جنبات الطبيعة أجمل.   ماء وشمس وهواء نتركهم يستريحون، ونعود إلى ضفاف النهر لنستمتع بالعين المجرّدة بتفاصيل الطبيعة المدهشة. هناك عند ضفاف النهر عشرات القوارب، من كل الألوان والأحجام، بعضها يسع أربعة أو ستة أو ثمانية، وهناك قوارب تسع اثنى عشر شخصاً. مُدرّبون، أو لنقل قائدون يتولون مهمة إعطاء الإرشادات وتسيير الرحلات في الجوار. رحلات الـ«رافتينغ»، تعلق صبية ارتدت الخوذة وتستعد للإنطلاق، ممتعة. تبتسم لنا وتمضي في رحلة من العمر برفقة مجموعة من الصبايا وصلن للتوّ من شمال لبنان. نوادي الـ«رافتنغ» أكثر من سواها. قاصدو الـ«كاياك»، أي الرياضة التي تمارس بقارب يتسع لشخص واحد، أقل. في كل حال من يعتبر نفسه محترفاً وينوي خوض تجربة الـ«كاياك» عليه أن يفهم جيداً حركة النهر. فالماء في حراك دائم ومَسَار الهواء يؤثر. ومن يريد أن يعصي هذا الحراك، تَيمُّناً باسم العاصي، قد يقع في مطبّات. نمشي في الجوار، على الضفاف، حيث يسرح هواة المغامرة والاستكشاف والرياضة، فنشعر بقشعريرة هواء تُنعش تحت عين الشمس. الهواء يتسرب حنوناً. أولاد يشاركون في مغامرة الماء. نهر العاصي آمن حتى للصغار. العائلة كلها تتشارك في تلك المغامرة الجميلة. نهر العاصي، بحسب أحد المدربين، أكثر أنهر لبنان أماناً حتى في عِزّ فصل الشتاء، حين تكون كل الأنهار الأخرى، مثل نهر الكلب، ونهر الأوّلي، ونهر الليطاني، ونهر إبراهيم، خطيرة. ثمّة معايير مفروضة لتصحّ ممارسة الرياضات في الأنهر، موجودة في نهر العاصي على مدار السنة. وما يُميّز العاصي أيضاً، هو أن منسوب مياهه مستقرة طوال اثني عشر شهراً وتُعادل عشرين سنتميتراً.   قصة حياة هي رحلةٌ تَردُ خَفَقان الرُّوح إلى الأجساد التي يُنهكها رُوتين الحياة اليومي وتراكم الباطون في المدن. السيّاح كانوا زماناً، قبل عامين وثلاثة، كثُراً. كانوا أكثر من اليوم. لكن من يزورون العاصي مرّة، نكرر، يعودون. ثمة رَونق في هذا النهر كيفما نظرنا إليه. ثمة فلسفة لن يفهمها إلا من يَفقه أسرار الطبيعة. فكيف إذا كانت مساحة هذه الطبيعة سُفوح سلسلة لبنان الغربية؟ ثمّة وديان تحوط بنهر العاصي، وهناك مغاور في الطبيعة وغابات مليئة بأجمل أشجار اللزاب. وهناك خيّم مصنوعة من شعر الماعز. وغرف مصنوعة من الطين. وهناك آثار كثيرة مترامية في جنبات النهر وكأنها حارسٌ له. وأكثر من كل هذا هناك متعة الالتصاق بالطبيعة اللّامُتناهية. نتابع طريقنا. نقف إلى جانب مجموعة أشخاص ينوون خوض تجربة ركوب النهر الـ«رافتينغ» بعد الانتهاء من الاصغاء إلى نصائح المدرب، وسماع تفاصيل عن جغرافية المكان وتاريخه، فنسمع عن تلك «النواعير» التي كانت تُستخدم لرفع الماء وتحويله إلى البساتين، والتي لا تزال موجودة حتى الآن في حماة في سوريا. قصة نهر العاصي، في أعالي سهل البقاع في لبنان، قصة والحياة حوله تستحق المشاهَدة وخوض غمار النهر يستحق التجربة. الصيف قادم. والنهر بات متألقاً مستعداً للاستقبال. فَهَلمُّوا إلى تجربة «عيشوا نهر العاصي».

مقالات مختارة

ملتقى أبوظبي الأسري يعزز الذكاء المجتمعي