سامية وميرا أم تتقن المذاق.. وابنة تقود الرؤية
#تحقيقات وحوارات
كارمن العسيلي اليوم 14:15
خلف كل مشروع عائلي ناجح، حكاية شغف تتجاوز حدود التجارة؛ لتصبح جزءاً من الهوية.. وهكذا هي قصة سامية المدني، الأم التي تحوّل المكونات البسيطة إلى لوحات فنية تذوب في الفم، وابنتها ميرا سليمان، الشابة التي وُلدت بروح ريادية وذكاء تسويقي فذّ. وفي متجرهما، المتخصص في صناعة الحلويات بمنطقة الخالدية في أبوظبي «يامي بيكس» (Yummy Bakes)، استقبلتنا ميرا بابتسامة تفيض حيوية، وبعد لحظات خرجت سامية من مطبخها، مرتدية زيَّ العمل؛ لتلقي التحية؛ فهي لا تزال تشرف على أدق التفاصيل، وتدير فريقها بخبرة سنوات طويلة. هناك، وسط رائحة المخبوزات الشهية، التقيناهما؛ لنعرف أكثر عن تفاصيل رحلة بدأت من فكرة بمطبخ المنزل في كندا، وتطورت لتصبح علامة تجارية محلية ناجحة في قلب العاصمة الإماراتية.
-
سامية وميرا أم تتقن المذاق.. وابنة تقود الرؤية
البدايات.. من «حنين الغربة» إلى دفء المطبخ
بدأت الرحلة من كندا، حين قررت سامية التخلي عن طموحها (نيل درجة الدكتوراه)؛ لتكريس وقتها لرعاية أسرتها. هناك، وبسبب المسافات الشاسعة، وصعوبة العثور على حلويات «حلال» لأطفالها، تحول الفراغ إلى مساحة للابتكار والإبداع. تقول سامية: «استثمرت طاقتي في المطبخ، وبدأت بإعداد (البتيفور)، وحلويات متنوعة بجودة تفوق ما توفره المتاجر، وصقلت موهبتي بالتحاقي بورش عمل متخصصة، فتعلمت خلالها فنون تزيين القوالب، وأسرار (الآيسينغ). وبمرور الوقت، تحولت الهدايا التي كنت أقدمها إلى صديقاتي من الحلويات والكوكيز إلى طلبات خاصة، بفضل لمساتي المميزة التي نالت إعجابهن». ومع عودة العائلة إلى «أرض الخير» (الإمارات)، على حد تعبير سامية؛ انتقل المشروع من مطبخ صغير؛ ليصبح علامة تجارية محلية، تنبض بروح أبوظبي.
ميرا.. «البوصلة الرقمية» وروح الريادة
لم تكن ميرا مجرد ابنة تراقب نجاح والدتها، بل كانت شريكة بالفطرة منذ سن الخامسة عشرة. تتذكر ميرا (ضاحكة): «كنت أبيع أقلامي الملونة لزميلاتي في المدرسة بربح مضاعف، ومرة نجحت في بيع 100 شطيرة هامبرغر طازجة، خلال فعالية بمدرستي في دقيقتين فقط، ما جعلني أفوز في المسابقة، وأكسب مبلغاً مالياً، كان ضخماً لفتاة في سني وقتها». كانت ميرا البوصلة الرقمية لوالدتها؛ فبينما كانت تدرس «هندسة تصميم النظم» في كندا، كانت تدير حسابات «يامي بيكس» على «مواقع التواصل» باحترافية.. تقول سامية: «كنا ننصاع لرؤية ميرا الفنية؛ فإذا لم يعجبها تصميم أو صورة لقطعة حلوى، فإنها كانت تطلب منا إعادة تصنيعها أو تصويرها؛ لأنها تدرك ما الذي يجذب جيلها». وفي عام 2013، أطلقت ميرا صفحة «إنستغرام»، رسمياً، معلنةً بداية عهد جديد من التسويق، والانتشار.
ثنائية «الهندسة والمذاق»
عندما تخرجت ميرا في الجامعة، كان القرار قد حُسم: لا للوظيفة التقليدية، ونعم لتحقيق شغفها بريادة الأعمال، والمشروع العائلي. وتم افتتاح المتجر في أبوظبي؛ ليعكس حب العائلة للهندسة في كل قالب كيك. تقول ميرا: «أبتكر الفكرة، وأضع تصميمها ليراه الناس، وبعد أن يحظى بإقبالهم، يأتي دور والدتي؛ لتنفيذه ببراعة تجعل الكيك والحلويات تبدو كأنها تحف فنية، تذهل كل من يراها». وتضيف ميرا (بحماسة ظاهرة): «لا نريد بيع كيكة عادية، يمكن شراؤها من أي مكان؛ بل نريد أن يُدهش زبائننا بجمال وإتقان تفاصيلها».
-
سامية وميرا أم تتقن المذاق.. وابنة تقود الرؤية
الابتكار طوق نجاة.. وصناعة للذكريات
خلال جائحة «كورونا»؛ حين توقفت المناسبات والاحتفالات وفُرِض الحظر، واجه «المتجر» تهديداً بالإغلاق؛ عندها ابتكرت ميرا فكرة «حقيبة تزيين الكوكيز»، التي كانت «طوق نجاة للمشروع»؛ بعد أن لاقت رواجاً كبيراً، إذ وصل معدل الطلبات إلى 100 حقيبة يومياً. ثم توسعت الفكرة؛ لتواكب «الترند»، من خلال تصميم كوكيز على هيئة لعبة «الفيدجيت سبينر» المتحركة. ورغم تحديات التقليد، تظل سامية وميرا فخورتين بكونهما «الأصل».. تقول سامية: «كان يؤلمني أن أرى أفكارنا تقلد، وتُعرض كأنها جديد الآخرين، لكنني كنت أدرك، دائماً، أن مَنْ يبتكر أولاً يظل في المقدمة، والصور القديمة في حساباتنا شاهدة على أصالة ابتكارنا». ومن كوكيز «خريطة الإمارات» الملونة يدوياً، إلى التعاون مع مبادرات وطنية مثل «عام المجتمع»؛ لصنع كيكة خاصة لترويج إحدى المبادرات، يظل الشعار واحداً: «نحن لا نصنع كيكات.. بل نصنع ذكريات عصية على النسيان».
عملاؤنا.. عائلتنا
تؤكد ميرا: «نهتم بالنوعية وليس بالكمية، وأيضاً بالتفاصيل؛ لأننا نريد أن نكون جزءاً من ألبوم ذكريات العائلات، لسنوات طويلة». وتؤكد سامية هذا الترابط العاطفي مع زبائنها، بقولها: «لدينا زبائن رافقناهم في أهم لحظات حياتهم؛ من كعكة الزفاف، إلى استقبال المواليد، وصولاً إلى تخرج الأبناء في الجامعات؛ ليعود المشهد، ويتكرر مع جيل جديد». وهنا، تضيف ميرا: «زبائن (يامي بيكس) هم عائلتنا؛ فنحن لسنا مجرد مشروع تجاري، بل شركاء العمر لكل عائلة وثقت بنا. إننا نكبر بهم، وهم سبب نمونا، ونجاحنا»، وتتابع: «نعي جيداً أن الكيك يجمع القلوب حول الطاولة، وأن مذاقاً طيباً واحداً كفيلٌ بأن يُهدي الناس شعوراً غامراً بالفرح».
«هندسة» الحلويات.. وصناعة الفرح في قلب أبوظبي
بعد مسيرة تمتد لأكثر من 14 عاماً، في عالم ريادة الأعمال، لم يعد «يامي بيكس» مجرد متجر للحلويات، بل صار جزءاً من نسيج العاصمة أبوظبي. تقول سامية، واصفةً هذا الانتماء: «لقد كبرت أحلامي هنا في أبوظبي، فالعلاقة التي تجمعني بهذه المدينة ليست وليدة اللحظة، بل تمتد لأكثر من 37 عاماً، فجعلت بيني وبين شوارعها ألفة، أكثر من مسقط رأسي بيروت».
ختام الحكاية.. دعوة للاحتفال اليومي
اليوم، مع تحديث هوية «العلامة»، يتحول المتجر إلى وجهة يومية تستقبل الزوار؛ للاستمتاع بـ«لحظات حلوة» في أي وقت، متجاوزاً كونه مجرد مكان للطلبات المسبقة. وتختتم ميرا اللقاء بدعوة ملهمة، قائلة: «كل يوم فرصة للاحتفال.. لستم بحاجة إلى مناسبة كبرى؛ لتستمتعوا بمذاقاتنا، فقد وُجد (يامي بيكس)؛ ليجعل من أيامكم العادية لحظاتٍ استثنائية، لا يمكن نسيانها».