الاسترخاء ليس رفاهية.. لماذا يعجز كثيرون عن الشعور به؟
#تنمية ذاتية
زهرة الخليج اليوم
بين المسؤوليات كافة، المتراكمة على المرأة في هذه الحياة الحديثة.. تتحول الراحة من حق طبيعي، إلى شعور يرافقه الذنب، كأن التوقف لالتقاط الأنفاس رفاهية لا تستحقها؛ إلا بعد إنجاز قائمة طويلة لا تنتهي من المهام.
ورغم أن الإجازات والعطلات وُجدت؛ لتمنحنا فرصة لتجديد النشاط واستعادة الطاقة، إلا أن كثيرات من النساء يكتشفن أنهن لا يستطعن الاستمتاع بها، كما كنّ يتوقعن؛ فبدلاً من الاسترخاء، يبدأ العقل في استحضار الأعمال المؤجلة، والتفكير في ما يجب إنجازه، والشعور بأن الوقت يضيع بلا فائدة.
ولم يعد هذا الشعور مجرد انطباع شخصي، بل أصبح محوراً لعدد من الدراسات النفسية، التي تشير إلى أن الإنسان الحديث يجد صعوبة متزايدة في الاستمتاع بالراحة الحقيقية، حتى عندما تكون الظروف مثالية لذلك.
-
الاسترخاء ليس رفاهية.. لماذا يعجز كثيرون عن الشعور به؟
لماذا يصعب علينا التوقف؟
قد يبدو يوم خالٍ من الاجتماعات، أو الأعمال المنزلية، أو الالتزامات، حلماً بالنسبة لكثيرات، لكن الواقع يكشف أن الهدوء، نفسه، قد يتحول إلى مصدر للتوتر. فبعد ساعات قليلة من الراحة، تبدأ الأسئلة في التسلل إلى الذهن: هل كان عليَّ ترتيب المنزل؟.. هل كان من الأفضل إنجاز بعض الأعمال؟.. هل أستحق، فعلاً، أن أمضي يوماً دون إنتاج؟
ويرى علماء النفس أن أشخاصاً قليلين يستطيعون قضاء يوم كامل، دون أي نشاط مع شعور حقيقي بالطمأنينة، بينما تميل الغالبية إلى البحث عن أي مهمة، حتى إن كانت بسيطة، أو غير ضرورية، فقط لتجنب الإحساس بالفراغ.
المرأة.. بين الإنجاز المستمر وضغط التوقعات:
قد يكون هذا الشعور أكثر وضوحاً لدى المرأة، لأنها غالباً تحمل مسؤوليات متعددة في الوقت نفسه؛ فقد تكون موظفة، وأماً، وشريكة حياة، ومديرة لشؤون منزلها، إلى جانب رغبتها في الاهتمام بنفسها، ومظهرها، وصحتها.
ومع هذا التعدد في الأدوار، يصبح من الصعب عليها أن تمنح نفسها وقتاً للراحة، دون أن تشعر بأنها قصّرت في أحد جوانب حياتها. فحتى خلال الإجازة، قد تجد نفسها ترتب الخزائن، أو تخطط للأسبوع المقبل، أو تنجز أعمالاً مؤجلة، معتقدة أن الاسترخاء الكامل نوع من الكسل، بينما الحقيقة أنه ضرورة للحفاظ على توازنها النفسي.
ويشير الباحثون إلى ظاهرة تُعرف باسم «الخوف من الخمول»، وهي الميل إلى تجنب الفراغ، والبحث الدائم عن أي نشاط يشغل الوقت. ولا يعود السبب إلى حب العمل فقط، بل إلى أن العقل اعتاد ربط قيمة الإنسان بقدرته على الإنجاز.
وتوضح الدراسات أن الأشخاص، عندما لا يجدون سبباً يدفعهم إلى الانشغال، قد يختارون عدم القيام بأي شيء. لكن بمجرد وجود مبرر، حتى لو كان بسيطاً أو غير ضروري، فإنهم يسارعون إلى القيام به، ثم يشعرون لاحقاً برضا أكبر؛ لأنهم كانوا «منتجين»، رغم أن الراحة كانت الخيار الذي يحتاجونه فعلاً.
-
الاسترخاء ليس رفاهية.. لماذا يعجز كثيرون عن الشعور به؟
مواقع التواصل.. شريك خفي في زيادة الضغط:
لا يمكن تجاهل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في ترسيخ ثقافة الإنتاج المستمر؛ فمنصات التواصل تعرض، يومياً، صوراً لأشخاص يمارسون الرياضة، ويحققون إنجازات، ويطورون مهاراتهم، ويستثمرون كل دقيقة من يومهم.
وبمرور الوقت، قد تبدأ المرأة مقارنة حياتها بهذه الصور المثالية؛ فتشعر بأن أي وقت تقضيه في الاسترخاء، هو وقت ضائع، بينما يغيب عنها أن ما تراه لا يعكس الواقع الكامل، وأن لكل إنسان لحظاته الخاصة، التي يحتاج فيها إلى التوقف، والهدوء.
ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن الراحة ليست ترفاً، وليست دليلاً على قلة الطموح، بل هي عنصر أساسي للحفاظ على الصحة الجسدية والعاطفية؛ فالتوقف المؤقت عن العمل يساعد على تقليل مستويات التوتر، وتحسين جودة النوم، واستعادة التركيز، وتعزيز الإبداع، كما يمنح الدماغ فرصة لإعادة تنظيم الأفكار، والتخلص من الإرهاق.
وفي كثير من الأحيان، تكون ساعة من الاسترخاء أكثر فائدة من ساعات طويلة من العمل المتواصل، الذي يستنزف الطاقة، ويؤثر في المزاج؛ فليس من الضروري أن تكون كل دقيقة في يومك مليئة بالإنجازات. خصصي وقتاً لفنجان قهوة تستمتعين به بهدوء، أو لقراءة رواية، أو للمشي في الهواء الطلق، أو حتى للجلوس دون القيام بأي شيء؛ فهذه اللحظات ليست مَضْيَعَةً للوقت، بل وسيلة لإعادة شحن طاقتك، والعودة إلى مسؤولياتكِ بذهن أكثر صفاءً.