قصة حب من زماننا

واسيني الأعرج  |   30 أغسطس 2018

ماذا كان سيحدث للمحامي العالمي جاك فيرجس، لو أن حكم الإعدام نُفذ في جميلة بوحيرد؟ المشهد بسيط. يصفه هو بنفسه في فيلم محامي الرعب: كنت سأشتري مسدساً، وأطلب موعداً مع الحاكم الفرنسي، وأغتاله بلا أدنى ندم، وأسلم نفسي للسلطات القضائية. جريمة سياسية؟ عاطفية؟ لا يهم. لكنها جريمة تقود صاحبها إلى المقصلة كما حدث مع المناضل عن القضية الجزائرية فرناند إيفتون (1957). لا نقاش. كل شيء بدأ عندما اختار فيرجس، العاشق المجنون، أن يدافع عن المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، أيقونة النضال الوطني. إلى اليوم لا تزال ضحكتها الناعمة الممزوجة بشيء من الخجل وهي تسمع من فم القاضي الحكم عليها بالإعدام بالمقصلة، تثير الدهشة. عندما سئلت لماذا ضحكت، بينما ينهار كبار الرجال، أمام سماع خبر الإعدام؟ أجابت: أشعر بالخجل من هذا الشرف الكبير، فهو أكبر مني. لكن وراء ذلك تتخفى قصة حب عظيمة بين جميلة ومحاميها الفرنسي جاك فيرجس. فقد كان الدفاع عنها أهم حدث في حياته المهنية. فقد رافع عليها باستماتة، ورفض حكم الإعدام، حتى ولو أنها اعترفت بوضع قنبلة موقوتة في الميلك بار، في 1956، الذي خلف خمس ضحايا والكثير من الجرحى، قبل أن يلقى عليها القبض في 1957 وتحاكم.
وبسبب الحملة الإعلامية التي شنها جاك فيرجس وصديقه جورج أرنو من خلال كتابهما: من أجل جميلة بوحيرد، الذي رافعا فيه من أجل إنقاذها من المقصلة، وفضحا آلة القتل الجماعي في الجزائر والتعذيب، ونجحا في تخفيف الحكم إلى المؤبد. حينما تم نطق القاضي بالحكم، وضحكت، سألها وكيل الدولة الذي أصر على الإعدام وحصل عليه: أنت فرنسية لماذا تفعلين هذا؟ أجابت ببرودة دم وثقة: أنا جزائرية. مقاومة للاستعمار ولست إرهابية. هذه الشجاعة جعلت عاطفة فيرجس تشتعل في السر، قبل أن تصبح لاحقاً علنية. كبر الحب بكبر القضية. كمن يصارع جبلاً، راهن فيرجس على حبه لتوقيف جريمة المقصلة. أوصل قضيتها حتى رئيس فرنسا الجنرال شارل دو غول، الذي اعترف بعد قراءة الكتاب، بقوة الإقناع. المرافعة نجحت في أمرين، أنها أنقذت جميلة من موت أكيد. ثانياً، أنها وضعت جاك فيرجس في الواجهة وأنقذته هو أيضاً. المأساوية الخفية هي أن فيرجس العاشق بشكل جنوني لجميلة، كان على حافة ارتكاب جريمة ضد الحاكم العسكري لو نُفذ حكم الإعدام في جميلة، كما في قصص العشق القديمة. عندما غادرت جميلة السجن بعد اتفاقيات إيفيان والاستقلال، كانت قصة الحب السرية، قد أصبحت علنية، وكان عليها أن تتحدى العائلة والمجتمع، كيف لها أن تتزوج فرنسياً وهي الأيقونة النضالية الوطنية؟ وتزوجت به في سنة 1965، وعاشا معاً قرابة العشر سنوات، كان من ثمرتها ابنان، مريم وإلياس. حصل فيرجس (المناضل منصور) على الجنسية الجزائرية، وأسس مجلة الثورة الأفريقية التي كانت صوتاً للجزائر وأفريقيا. تعرف خلالها على كبار المناضلين في الجزائر نيلسون مانديلا، كابرال، وياسر عرفات. فجأة غادر الجزائر بسرية تامة نحو مكان مجهول، قيل فيما بعد إنه، ليلتحق بمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، كما ورد في شهادات بعض الشخصيات الفلسطينية من الذين عرفوه مثل رئيس حزب الكتائب اللبنانية كريم بقرادوني الذي يروي أنه سمع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يقول للمسؤول عن أمنه في منظمة التحرير، حسن سلامة في أيار (مايو) 1973 «تابعوا العمل مع فيرجس». نشر خلالها العديد من المؤلفات منها: «فدائيون». فقد ذهب نحو قناعته العاطفية حتى النهاية، إذ كان يمكن أن ينتهي هو نفسه على المقصلة.
بسبب جميلة، استطاع أن يخلق نظاماً دفاعياً جديداً، يدرس اليوم في كبريات المدارس القضائية المتخصصة، يتلخص في عدم استعطاف وكيل الدولة أو القاضي، الدفاع من داخل الحقيقة نفسها عن الحقّ. جميلة اعترفت منذ اللحظة الأولى بكل شيء لأن قضيتها كانت عادلة، لم تكن قاتلة ولا إرهابية. الكثيرون تساءلوا عن قصة الحب هذه، كيف بدأت، وكيف توقفت بشكل تراجيدي بعد المغادرة السرية لفيرجس الجزائر. حملها معه نحو قبره (توفي 15 أغسطس 2013)، وجميلة ترفض الحديث عنها. عندما تغادر هذه الدنيا، ستنكس الرايات الوطنية ثلاثة أيام، ويعلن الحداد الوطني. ثم توضع بعدها في متحف النسيان، ومعها واحدة من أجمل وأجرأ قصص الحب في زماننا التي لا أحد يتجرأ الكلام عنها، وكأن الحب ينقص من نضالها؟