نسرين فاخر رئيسة التحرير تكتب: الأسرة أولوية وطنية
#مقالات رأي
نسرين فاخر اليوم
عندما أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة (2026) «عامًا للأسرة»؛ بدا الإعلان كأنه يلتقط لحظة إنسانية نعيشها جميعًا، لا كعنوان رسمي، بل كوقفة تأمل في معنى «الأسرة»، في زمن متسارع، تتبدل فيه الأولويات، ويُختبر الترابط الإنساني أكثر من أي وقت مضى.
«الأسرة» ليست مفهومًا نظريًا، ولا صورة مكتملة الأركان، كما نحب أن نراها في الإعلانات، أو المناسبات، وإنما هي تجربة يومية، فيها التعب بقدر الطمأنينة، والاختلاف بقدر الأمان. لكنها، في لحظات معينة، تكشف لنا عن قيمتها الحقيقية.. وغالبًا عندما نبتعد عنها!
«عام الأسرة»، بهذا المعنى، ليس احتفالًا عابرًا، بل لنتأمل ما يمنح الإنسان الشعور بالاستقرار، والعلاقة الأولى، التي تشكّل وعينا بالعالم.. أتذكر جيدًا بدايات دراستي الجامعية، حين انتقلت للعيش في «سكن داخلي».. كانت تلك المرة الأولى التي أبتعد فيها فعليًا عن أهلي.. في مكان جديد، وإيقاع مختلف، واستقلال مفاجئ يبدو جميلًا من الخارج، لكنه - في الداخل - مليء بالفراغات الصغيرة.
عند عودتي الأولى إلى البيت، دخلت دون تخطيط، وجلست مباشرة على «طاولة الطعام».. بدأت أنادي الجميع.. أردت أن أراهم كلهم حول الطاولة!.. لم يكن الموقف دراميًا، ولم أبكِ، لكنَّ شيئًا بداخلي كان مختلفًا..!
في ذلك اليوم، كان للطعام مذاق آخر، ليس لأن الوصفة تغيّرت، بل لأن الشعور تغيّر.. نظرت إلى الوجوه أمامي، وفهمت - فجأةً - قيمة كل شخص يجلس هناك.. استغرب أهلي هذا الحنين المفاجئ، لكنني كنت أدرك أن البعد، وحده، جعلني أرى ما لم أكن أراه وأنا قريبة..!
هذه اللحظات البسيطة.. الجلوس حول طاولة، ونداء الأشخاص، وتبادل النظرات، كلها تبين معنى الأسرة الحقيقي.. إنها ليست مثاليات، بل تفاصيل عادية نعيشها دون انتباه، إلى أن نفتقدها..!
ما يميز تجربة الإمارات، في هذا السياق، أنها تعاملت مع الأسرة كأولوية وطنية، لا كفكرة عاطفية فقط. فوجود وزارة معنية بالأسرة، وإطلاق مبادرات تدعم الترابط الأسري، والتوازن بين العمل والحياة، وتمكين الوالدين.. كلها إشارات واضحة إلى أن الاستقرار المجتمعي يبدأ من الداخل.. من البيت!
إن الأسرة «استمرار»، وعينها دائماً على المستقبل كـ«نهر الحياة»، فمن كل أسرة تُبنى أسرٌ؛ لهذا هي الحنان والمحبة، وأشبه بشجرة نستظل بأغصانها في كل الفصول، والتحولات!
«الأسرة» لا تطلب منا الكمال، بل الحضور، ولا تحتاج إلى احتفالات كبيرة، بقدر ما تحتاج إلى أن ننتبه إلى تلك اللحظات الصغيرة؛ قبل أن تصبح ذكرى.
ربما لا نشعر بقيمة «الأسرة»، ونحن في قلبها، وبين أحضانها، لكننا نتأكد منها تمامًا؛ عندما نبتعد خطوةً واحدةً. وعندها، نفهم أن هناك نعماً لا تُقاس بضخامتها، وإنما بعمق أثرها فينا!
«الأسرة» ليست مجرد امتدادٍ للحياة، بل «نهرها الهادئ»، الذي يمضي وعينه على المستقبل. لهذا تبقى الأسرة «الحضن الأول للحنان»، والمساحة الآمنة للمحبة، والشجرة التي نلجأ إلى ظلّها في كل الأحيان.. والظروف!
ليس الكمال ما يُطلب، وإنما الحضورُ، والاهتمامُ.. فالمعنى الحقيقي يتشكّل في تفاصيل يومية صغيرة، وفي لحظات تمرّ بهدوء؛ قبل أن تتحوّل إلى ذكريات.. عندها ندرك، تمامًا، أن أثر بعض النعم لا يُقاس بحجمه، وإنما بعمق أثره في أرواحنا...!