رئيسة التحرير نسرين فاخر تكتب: أمي.. حكاية سبقتني
#مقالات رأي
نسرين فاخر اليوم
رغم أن الحياة أعمار وفصول، إلا أننا لم نتخيّل، يوماً، أن لأمهاتنا أعماراً سبقتنا. فنادراً ما يخطر ببالي أن أمي كانت يوماً طفلة، أو مراهقة، أو شابة عاشت مراحلها الخاصة قبل أن تبدأ رحلتها معنا؛ ربما لأنني أراها أماً فقط. ونظن - كأبناء - أن أمهاتنا وُلدن أمهاتٍ، بكل ما تحمله صورة الأم، من محبة ومسؤولية وعطاء، دون أن نقترب من صورة الأم الطفلة، والمراهقة، والمقبلة على الزواج.. نعم، لا نقترب من صور الشغب، والعناد، والتمرد، والمراحل التي مرت بها!
وخلال السنوات الأولى من الأمومة، تتعزز هذه الصورة.. الأم هي الأمان، والصوت الهادئ، والمرجع.. وكل ما عدا ذلك ينسحب إلى الخلف.. لا يختفي، لكنه يهدأ!
كبرتُ أنا، وبدأت أكتشف أمي من جديد، كأنني أكتشف العالم؛ فأمي التي لاتزال تحتفظ بكلّ هذه الأعمار، لم أعد أراها من زاوية واحدة، وازدادت علاقتي بها قوة، وعمقاً!.. أحياناً، ألمح الطفلة داخلها، حين تفرح بتفصيل صغير، أو تتحمس لخطة عفوية، كأنها مفاجأة كبرى.. وأحياناً أرى المراهقة المتمردة، حين تصرُّ على رأيها بابتسامة هادئة، لا تقبل التراجع!.. وأراها بصورة المرأة الشابة، التي تمتلك الرأي والخيال، وتتوق إلى الجمال والأناقة، فتختار ما ترتديه بعناية، وتنظر في المرآة بثقة، وتشاركني السؤال، ليس طلباً للتأكيد، بل لمتعة المشاركة، وهنا يُفتح - بين الأم، وابنتها - باب الصداقة والحوار..!
وحين أمسك خيط الحكاية؛ أجدني أدخل باباً جديداً من الاكتشاف؛ لأتعرف إليها بشكل آخر، فكلّ مرحلة من عمري تدفعني إلى سؤال أمي: كيف كنتِ في الطفولة، والمراهقة؟!.. كأنني كلما كبرت؛ اتسعت قدرتي على رؤيتها كاملة!.. وهنا، أدرك كيف تأثرتُ بها، بحنانها وعطائها وعنفوانها، فهي لم تكن تمنحني إياها في نصيحة مباشرة، بل في صورة متوازنة وكاملة؛ فأراها - خلالها - حنونةً بلا ضعف.. قويةً بلا قسوة.. وجميلةً وناضجةً، دون أن تفقد شغفها.. فهذه الصورة هي التي تمنح الحياة معناها!
في «يوم الأم».. لا يكفي أن نشكرها على تعبها وتضحياتها؛ لأن الجميع يعرفون هذا.. وإنما الأجمل أن نراها، كما هي حقاً: أماً، وفتاةً، ومراهقةً، وشابة الروح في الوقت نفسه.. وأن نعترف بأن داخل كل أم تاريخاً كاملاً من أعمار لم تختفِ، وإنما نضجت معنا. وكلما كبرت؛ أحببتها أكثر.. ليس لأنها أمي فقط؛ بل لأنني أتعرف إليها من جديد كل يوم..!
وبهذه المناسبة.. نقدم تحية إجلال وتقدير إلى سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية (أم الإمارات)، قدوتنا في العطاء والحكمة.. وإلى كل أم صنعت حياة في صمت، وربّت أجيالاً بقلب ممتلئ بالسلام.
لكل واحدة منكنَّ.. أقول: «أنتنَّ العمر كله!».