لماذا تشحذ نبتة «هوديا» شهية أصحاب المختبرات العالمية؟

محمد عبود السعدي

  |   20 نوفمبر 2018

في صحراء كالاهاري (بين جنوب أفريقيا وبوتسوانا وناميبيا)، يحيا الـ«بوشمين» Bushmen، أو «رجال الأدغال»، حياة بدائية منذ آلاف السنين. لم يكن أحد يُعيرهم أهمية سوى بعض المغامرين وباحثي «الأنثروبولوجيا» (علم الإنسان كحيوان ناطق). إذ وجدوا فيهم مثالاً فريداً لدراسة ظواهر كالاكتفاء الذاتي والبقاء، مع العزلة التامة عن العالم، والعيش على غرار الإنسان القديم: من قطف الثمار البرية والصيد.
لكن، قبل نحو عقدين، برز اهتمام ملحوظ بهم وبنمط حياتهم من جانب كبريات شركات الأدوية والمكملات الغذائية؟ فلماذا؟ هل هي «غيرة» مفاجئة ورغبة في إخراجهم من «ظلمات البدائية» إلى نور الحضارة؟
طبعاً لا. السبب هو «هوديا غوردوني» Hoodia Gordonii. وهذه نبتة صنوبر تنمو حصرياً في ربوع الـ«بوشمين». فلماذا إذن تثير تلك النبتة الاهتمام؟ من المفارقات أنها تقتل شهية رجال الأدغال، وتفتح شهية رجال الأعمال.
فالصيد عند الـ«بوشمين» تقليد قديم. في ربوعهم القاحلة، عليهم إجادة حصر أمكنة الطرائد وملاحقتها ربما أياماً. يجيدون الرماية بالقوس و«النشاب»، ويتعلم صغارهم أصول الصيد وحيله مع الكبار. ولما يشتد ساعد الصغير، الذي يعلمه أبوه الرماية كل يوم، يصحبه في أول رحلة صيد «بالرمي الحقيقي».
والمهمة محفوفة بالمخاطر بسبب الكواسر «المنافسة» لهم في التربص بالطريدة، والتي تنظر إليهم أنفسهم كطرائد لا بأس بلحمها، غير آبهة بكونهم «كائنات ناطقة». ألدّ أعدائهم الفهود الصحراوية الشرسة، ذات الحركة السريعة والهجوم المباغت. يتيح لها لون وبرها الرملي التخفي بخبث بين ما تجود به الطبيعة من أحراش قليلة. وتعدّ الظباء أشهى وجبة للفريقين.
ذلك لا يجيب عن سؤال الاهتمام بالنبتة. ها نحن الآن في صلب الموضوع. اكتشف رجال الأدغال منذ القدم أن تناول لُبِّ نوع من الصنوبر، ينمو هناك حصرياً، يعينهم على تحمل الجوع أثناء رحلات الصيد الطويلة، بعيداً عن القرية ومن دون متاع. فالثمرة، تخفف الإحساس بالجوع، وتتيح «نسيان» التغذية لنهار وأكثر. اعتادوا مضغ اللب من دون التذمر من مذاقه الحاد. فالمسألة عندهم مسألة بقاء.
ومن هنا نبع الاهتمام بهم وبربوعهم المنسية من جانب «ذئاب» الصناعة، ذوي الأنياب الحادة. انتبه أرباب مختبرات العقاقير إلى المردودية العالية الكامنة لهذه النبتة، التي يصل ارتفاعها إلى مترين. ففقدان الوزن بات الشغل الشاغل لمئات ملايين المتخمين، مع إيلاء الأفضلية لأي وسيلة لا تتطلب جهداً. وأي طريق أكثر كسلاً، وضماناً للنتائج، من طريق الامتناع عن الأكل من دون الشعور المزعج بالحرمان؟ ومثلما يقدر رجال الأدغال على تمضية نهار أو أكثر من دون غذاء ومن دون تضور بالجوع، يقدر أي إنسان «متمدن»، إنْ تجرَّع حبوباً محضرة من نبتة «هوديا»، على تخفيف وزنه بالتحايل على الجوع مع تفادي «عذاب» المنع الذاتي.

بسام براك: اللغة العربية ليست متهمة لندافع عنها