أوزبكستان حين يُروى التاريخ

مليكة أحمد  |   13 أكتوبر 2019

بعض المدن تجعلك تقف مدهوشاً أمام عظمة التاريخ المتغلغل في جذورها المتأصلة التي تنضح بالحضارة، والثقافة المشبعة بالتعاليم الدينية الإسلامية، التي غالباً ما نجدها ونقرؤها بين صفحات الكتب والمجلدات التاريخية القديمة، المسطرة بجهد الباحثين، والمعتقة بعبق حضارة الأولين، كمدن بُخارى وسمرقند وطشقند، فهذه المدن سكنها عظماء التاريخ الإسلامي الشاهد على مرورهم وبصماتهم. ولعلّ أوزبكستان من البلدان الأكثر حظاً بين البلدان العربية الإسلامية، فهي تحمل بين جبالها ووديانها وسهولها ومدنها طيف الإمام البخاري ومرقده، والترمذي والخوارزمي، ورائحة أعشاب العالم ابن سينا الطبية الذي تخبئه  بين زواياها، وضمّها لكلّ من مدن طشقند وبخارى وسمرقند، كفيل بأن تتربع على عرش الثقافة والأدب الإسلامي بكلّ فخر وعزة.

طشقند.. هي العاصمة الجميلة لأوزبكستان، وكبرى مدنها تجدها مدينة مفعمة بالثقافة والأدب والعلم الذي يظهر جلياً في عدد المكتبات المتواجدة فيها، سكانها نهمون وشغوفون بالقراءة والمطالعة بالفطرة، وتجد أغلبيتهم موهوبين في الكتابة، وسرد الشعر والرسم. لقب المؤرخون العاصمة طشقند بـ«نجمة الشرق» في القرن الثامن ميلادي، على يد قائد الفتح الإسلامي قتيبة بن مسلم الباهلي الذي كان له الفضل الكبير في وصول الإسلام إلى طشقند وجاراتها من المدن الأوزبكستانية، لكن وصول إمبراطور المغول جنكيز خان إليها قضى على أهمّ المعالم الإسلامية فيها مثل المساجد وبعض العمران الإسلامي منذ عام 1219، حيث استمر الحكم المغولي فيها، حتى عام 1361 مع وصول الأمير (تيمور لنك) القائد الأوزبكي، مؤسس السلالة التيمورية في آسيا الوسطى، الذي أعاد بناء وترميم المدينة إلى جانب عدد آخر من المدن المجاورة مثل سمرقند، وبخارى وترمذ وفوقند.

قصور تيمورية
لا يختلف سحر طشقند عن روعة وجمال مدينة سمرقند، بتاريخها الممتدّ من عمق القرون الوسطى، ومعالمها الشاهدة على مرور (الثامرلان، جنكيز خان، وألكسندر الأكبر). وسمرقند التي لا يتجاوز عدد سكانها 450 ألف نسمة، تعتبر ثانية كبرى مدن أوزبكستان، بمساحتها التي تصل إلى 120 كيلومتراً مربعاً.

تزخر سمرقند بمعالم أثرية وإسلامية كثيرة، لها من سحر التاريخ ما يأسر العقول، يمكنكم اكتشافها في أول زيارة، كمسجد «بيبي خانوم»، ومنطقة كور أمير، ومروراً بضريح الصحابي قثم بن العباس بن عبد المطلب، وهي الأماكن التي تمّ افتتاحها علي يد نفس القائد قتيبة بن مسلم الباهلي عام 705 ميلادي، وتمّ تحويل جميع المعابد الموجودة فيها إلى مساجد إسلامية، لكن الغزو المغولي دمّر معظم المساجد فيها، لكن اعتناق البعض منهم الإسلام أدى إلى ترميم وإعادة بناء ما دُمّر خلال عهد تيمور لنك، الذي كان قد اتخذ سمرقند عاصمة لملكه منذ عام 1220 حتى عام 1370.

وأغلب المعالم الأثرية والتاريخية في سمرقند ترتبط ببانيها ومشيدها الأمير تيمور لنك، فلا تستغربوا التسميات المرتبطة باسمه في كلّ شبر في المدينة، وخاصة «ميدان داجستان» وهو المكان الذي كان يستعرض فيه الأمير مهارات القتال في الساحة، وتدريب جيشه على فنون القتال والدفاع عن المدينة.

شعلة تجارية
وبخارى، بين المدن الأشهر على الإطلاق في أوزبكستان، فهي المدينة التي وُلد بها  أفضل الأئمة الذين جمعوا الأحاديث النبوية الشريفة، الإمام البخاري الذي يزور ضريحه الآلاف من السياح يومياً، ويعتبر ضريح الإمام البخاري من أكثر المزارات استقبالاً لوفود هائلة من السياح من مختلف الأجناس والأعراق، تعلوه قبة زرقاء تنتهي بمنارة ذهبية، ويتوسط المزار مسجد يتسع لآلاف المصلين، وقد نقشت على جدرانه آيات قرآنية كثيرة.

وبخارى التي حكمها المغول لفترة وجيزة، عكس بقية المدن الأوزبكستانية، تحتلّ أهمية سياحية وأثرية كبيرة في أوزبكستان، حيث تمّ اختيارها ضمن أفضل المواقع التراثية لمنظمة اليونسكو للتراث العالمي. هي مدينة أسطورية بمعالمها التي تعجّ بالروايات التاريخية والإسلامية، كما أنها مدينة حضارية بتجارتها في صناعة الحرير وصناعة الحدادة التي يشتهر بها سكان المنطقة.


وتتميز ساحة «ميناند كايلان»، التي تتربع في قلب مدينة بُخارى، بكونها أحد الرموز التاريخية والحضارية الشاهدة على تطور شعلة التجارة في المدينة، حيث كانت المنارة التي تعتليها إحدى الدلالات لإنارة الطريق أمام استقبال قوافل الجمال القادمة من بعيد إلى المدينة، مما ساعد على ازدهار تجارة الحرير والأقمشة.
من بين قائمة المعالم الأثرية التي تضمنتها قائمة التراث العالمي لليونسكو في بخارى أيضاً، نجد مزار ضريح سلالة السامانيين، الذي يحمل تصميماً معمارياً فاخراً، يظهر خاصة من خلال نوافذه المزخرفة المطلة على المدينة، بالإضافة إلى القرية التي ولد بها عالم الأعشاب والطبّ البديل ابن سينا، والذي يروي سكان بخارى عنه أنه لم يكن طبيباً فحسب، بل ورثوا عنه أجمل وصفات الأطباق المحلية الصحية، فيقال إنه كان بارعاً في الطبخ أيضاً، والعديد من وصفات الأكل توارثها سكان بخارى أباً عن جدّ مثل السمبوسة البخارية اللذيذة.