لهفة الحب تضيع في «الايموجي»

إشراقة النور  |   14 فبراير 2020

تقدست بالحب كل وسيلة اتخذها العشاق لبث لواعج شوقهم خاصة حين يعز اللقاء، وكان الناس منذ عقود قديمة يلجؤون «للكلمة» في مكتوب يسافر في فضاءات الحب الواسعة يعبر المكان ويختصر المسافات فينتظرون الرد لشهور عدة، لكن مع ظهور الوسائل العصرية باتت الرسائل «معراجاً» يسري في لمح البصر بوجدان الأحبة «عبارة» و«صوتاً» و«صورة» في التقرير التالي نرصد كيف بدأت حكاية رسائل الحب وإلى أين انتهت وماذا فعلت بالشوق؟

بين طرفي البعد والقرب استعرت نيران العشاق بالتوق الأبدي للوصال، ومنه تخلقت وسائط التواصل، حيث أنشأ اليونان في القرن السادس قبل الميلاد نظاماً بريدياً متقدماً ومعقداً، لتجعل منه خادماً مطيعاً لعملية التواصل الإنساني وعلى هامتها تبرز علاقات الحب باشتغالاتها العاطفية المتعددة، اصطفت فيها الصافنات الجياد لتبدأ عهداً من عهود مؤسسة البريد، رغم ذلك فقد تفوقت مهمة إيصال الرسائل بين المحبين على مثيلتها، فأقيمت محطات يجري فيها استبدال الخيل والفرسان وهم يحملون الرسائل والطرود ليتحرك على الفور فارس جديد يكمل الرحلة، وكانت هذه المواكب من السعاة والرسل لا تتوقف في الليل أو النهار، فيحملها العشاق رسائلهم وأشواقهم، وكم حبيب تعلق قلبه بوقع حافر تناغم مع خفقات الشوق وهي تنبض بالوصال يحمل له الأخبار ويطفئ برسالة نار وجده.

حب وهيام
حمل «الزاجل» على أقدامه «الدرر» التي تبث الاشتياق والحنين وأيضاً ترتيبات اللقاءات الغرامية بين العشاق، ذلك أن الحمام الزاجل كان يخفي علاقات الحب وتفاصيلها عند طيرانه بين السحاب فلا يراه العذال أينما كانوا وعندما يستقبله صاحب أو صاحبة المصلحة كان ذلك يتم في غفلة من الرقباء. وازدهت مهام «الحمام  الزاجل» بحلة من الجلال والتقديس أضفتها عليه مجتمعات المحبة، فهو مرسال المودة الأمين، وهو من بعد طائر يطير كالملائكة ولطالما انعقدت علاقة استثنائية بينهما وحالات الحب والهيام في مختلف الثقافات، وألهمت رقة وعذوبة هديله أشعار المحبين الحنان.

قطارات وسفن
وما زال البريد يتدرج في التطور حتى دهمته أعاصير ثورة المواصلات من قطارات وسفن اختصرت المسافات إلى سويعات تستغرق أشواق العشاق وما هي إلا أيام أو ساعات حتى يجدوا رداً لوجدهم ومشاعرهم الفياضة، فحملت رسائل القائد العسكري الفرنسي «نابليون بونابرت» التي كتبها لزوجته «جوزفين» والتي جاء في أحداها: «وصلت لي رسالتك، صديقتي ومعشوقتي، فملأتِ قلبي فرحاً، أنا حقاً ممتن لكِ على ما تكبدته من عناء لتُعلميني أخبارك». وسافرت تلك الوسائل كذلك بمكاتيب ملك إنجلترا «هنري الثامن» إلى حبيبته الأميركية ويليس سيمبسون والذي اشتهر بقصة تنازله عن العرش من أجلها وغيرهم من مشاهير.

هاتف بالصدفة
تغيرت الحياة ولم تتبدل مشاعر الحب والشوق الفطرية والرغبة في الوصال بين المحبين، فهي رغبة خالدة وتظل رسائل الحب بينهم إحدى لوازم الوجدان الإنساني، لكن مع تطور البريد ووسائل النقل لم تعد هناك حاجة لانتظار رسائل مع الحمام، فقد حدثت نقلة كبرى للتواصل عندما أخترع «إلكساندر جرهام» صدفة جهاز الهاتف سنة 1836، وكانت أعظم خدمة للبشرية وللمحبين على وجه الخصوص، فما كان من العاشق المشتاق إلا أن يرفع سماعة الهاتف فتطفأ نار وجده تواً.

تطور ساحر
 كقصص الخيال أصبح الهاتف في بداية الثمانينات من القرن الماضي جهازاً محمولاً يصلك بمن تريد في أي بقعة على الأرض، ولديه إمكانات متعددة لفعل ذلك، كتابة الرسائل النصية، وبريد إلكتروني، يرسل الرسائل فتذهب إلى مرسلها قبل أن يرتد الطرف، إلى أن وصل به التطور المتسارع إلى  احتوائه على كاميرات للتصوير. فكانت هذه جائزة المحبين الكبرى للقاء افتراضي «عبارة» و«صوتاً» و«صورة»، فغابت الرسائل المكتوبة في سديم التكنولوجيا.

ترياق الحضور
بعد أن أصبح الهاتف بتطبيقاته الذكية الحديثة آخر وسائل العشاق للتواصل أطلت ميزات جديدة جعلت الانفعالات والمشاعر مجرد وجود افتراضي رموزاً وأيقونات «ايموجي» تشرح الحب والكره بل هناك طرق لحظر غير المرغوب فيهم، لم يعد أحد متلهفاً على وصول «الجواب»، فالتواصل ممكن ومتاح في أي وقت والغياب التام بين المحبين لم يعد مطروحاً، فأشعلت في دواخل العشاق ثورة من «الملل» بسبب حضور الحبيب الكثيف، فهل يصبح «البلوك» هو الترياق الذي يستخدمه العشاق لإعادة جذوة الشوق الذي كان يصنعه الغياب؟ ويعيد للرسائل رونق «الخبيئة» التي كان يلجأ إليها الأحبة كلما استعر الحنين وعز اللقاء؟

مرسال الغرام
اعتمدت رسائل العشاق كذلك في السابق بشكل رئيسي على «الحمام الزاجل» لما لديه من غريزة حب لموطنه والعودة له مهما بعدت المسافات الشاسعة التي يقطعها في إيصال الرسائل، وقد استخدم الرومان الحمام الزاجل لأول مرة سنة 24 قبل الميلاد لإيصال الرسائل أثناء الحروب، لكنه مع ذلك أدى حينها إلى المحبين دوراً عظيماً، والفرق بين مرسال الخيول والحمام الزاجل هو أن الخيول تستطيع عبرها إرسال كتب بكاملها، ولكنها تستغرق أزماناً حتى تصل إلى بغيتها، بينما الحمام الزاجل يختصر المسافات الطوال في زمنٍ وجيز، بيد أنها لا تقوى على حمل المكاتيب الطويلة والصفحات المدبجة فحسبها قطعة صغيرة يُكتب عليها عدد قليل من السطور تربط بساق الطائر.

تطبيقات ذكية
ظل الهاتف يستأثر بمهام مرسال الغرام حتى أذنت جدليات الأزمان أن يتطور هذا الجهاز بسبب النقلة الهائلة للتعليم واتساع أعداد المتعلمين وانحسار الأمية، فظهرت التطبيقات الذكية المجانية مثل «فايبر»، «واتس آب» «سكايب» ، وهناك ثلاثة مليارات شخص حول العالم يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، أي ما يعادل 40% من سكان العالم، مما أكسب الحب أعماقاً مفاهيمية جديدة.