السوشيال ميديا هل تهزم كذبة أبريل؟

آنو السرحان  |   3 أبريل 2020

اعتادت أغلبية شعوب العالم، في الأول من أبريل كل عام، تداول الكذب لخداع بعضهم البعض؛ من باب المزاح، وهو تقليد يُعرف في إنجلترا بيوم الخدعة، وفي فرنسا بيوم السمك، وفي اليابان بيوم الدّمية، وفي إسبانيا بيوم المُغفل، وفي أسكتلندا يستمر اللهو والدعابة لمدة يومين. واليوم، بعد أن أصبح حجم المنصات الزائفة والمصطنعة وتأثيرها ونفاذها، يقارب حجم المنصات الحقيقية، سادت فكرة الاصطناع، وتضاءلت الحقيقة، مقابل زيادة حادة وسريعة في حجم المعلومات المفبركة والمضلّلة، فصار حجم الكذب والخداع، الذي يملأ حياتنا طوال العام، أكبر وأقوى من أن يجعلنا نضحك ونعترف بأننا وقعنا في فخ المقلب.

فهل تضع السوشيال ميديا «كذبة أبريل» في طيّ النسيان، وينتصر عليها روّاد الشبكات الاجتماعية؟ وهل في هذا العصر لدينا الوقت لنخطط لكذبة قوية يقع فيها جيل الـUp-to-date؟
 يقول المتخصصون إنّ جيل هذه الألفية لا يضحك، أو لا يجد أي شيء مضحكاً، فنحن اليوم أمام الكثير من المحتوى، فلم تعد الكوميديا حكراً، هي في كل مكان، الجميع دمه خفيف أو (يستظرف)، كل يوم هناك الآلاف من المنشورات الطريفة والمخادعة، نحن اليوم نحول كل قضية وكل مشكلة إلى كوميديا، أي نحن أمام المحتوى الخادع هذا طوال السنة.
 وتبعاً لأخصائيّ علم الاجتماع فإن الدراسات المتخصصة في المجتمع الافتراضي أكّدت أنّ حجم المنصات الزائفة والمصطنعة وتأثيرها ونفاذها يقارب حجم المنصات الحقيقية، مما أدّى إلى شيوع فكرة الاصطناع، وتضاؤل حجم المعلومات الحقيقية، مقابل زيادة حادة وسريعة في حجم المعلومات المفبركة والمضللة.

غياب الطرافة

 في السابق، كان للكذب الطريف في الأول من أبريل معنى، كل واحد يستيقظ وفي باله أمر واحد هو أنّه أذكى من أن يقع في أي خدعة، ويستمتع بالتفكير في مقالب تضحك الآخرين، اليوم، كل هذا لم يعد له معنى أو قيمة، هي فقط هنا لتملأ محتوى للصفحات الإلكترونية ومنشورات المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي وكيف سينشرون فيديو للخدعة التي وقعوا فيها، وكيف سيصدق من يمكنه أن يصدق.
كلنا لسبب ما تفتك بنا السلبية، فنشعر بأنّ أي شخص يحاول أن يكون «كيوت» بخداع هو في الواقع مكرّر وممل، أصبحنا اليوم نشعر بأننا أهم من طرافة هذا التقليد، وإن وقعنا في الفخ، يكون حجم الكذب والخداع الذي يملأ حياتنا طوال العام أكبر وأقوى من أن يجعلنا نضحك ونعترف بأننا وقعنا، سننكر ما يجري ونتهم الشخص الذي أوقعنا في التفاهة، لن نكترث لشيء سوى أنّنا ما زلنا في الدوامة نفسها، وأنّ الكذب حولنا في كل مكان أكثر من أن يشعرنا ببساطة هذا اليوم أو بظرافته، فقد علقنا في دوامة المحتوى الخادع.

العقل يفرح بالخداع

 يكشف دكتور مايكل ميرزينيتش، أستاذ الأعصاب بجامعة كاليفورنيا، عن طبيعة مشاعر الشخص بعد المقلب، حيث يشير إلى أن الدماغ مسؤول عن شعوره بالسرور رغم تعرضه لموقفٍ قد يكون سخيفاً. ويلفت إلى أن الدماغ يشعر بالمفاجأة غير المتوقعة من الموقف الذي حدث، لأنه اكتشف أنه غير حقيقي وأنه مُجرد مقلب، ولأن عقل الإنسان يضع سيناريوهات عدة للتصرف في أي موقف، فهو حين يتضح له أن الموقف مجرد خدعة، تكون المفاجأة سعيدة، وهو ما يدفع الدماغ إلى إفراز مواد كيميائية تُشعره بالسعادة، تعمل على تغيير المزاج بطريقة إيجابية، مثل نورإبينفرين والأسيتيل كولين عند حدوث شيء غير متوقع أو جديد.
 يذكر د.مايكل ميرزينيتش أن الخداع إحدى أعظم نقاط قوة العقل البشري، وإحدى أخطر نقاط ضعفه في الوقت نفسه، ويقول: «سواء قمت بعمل مقلب أو كنت أنت ضحيته، فإن عقلك يمنحك مكافأة كيميائية ويفرز مادة الدوبامين التي تلعب دوراً رئيسيّاً في شعورك بالمتعة والسعادة وحتى الإدمان، كما أن إفراز مادة (نورإبينفرين) عند المفاجأة يزيد من تحفزك، في حين يعمل الأسيتيل كولين على بقاء ذكرى المفاجأة أو المقلب لفترة طويلة».
 ويخلص إلى أن ذلك أحد الأسباب المُهمة التي تجعلنا نشعر بالسعادة إن خُدعنا، بطريقة جيدةٍ بالطبع وليس الخداع السيئ، وهو ما يجعل تقليد إحياء كذبة الأول من أبريل مستمراً في العديد من دول العالم حتى اليوم.

عدوان خفيّ

 من وجهة نظر علماء السلوك الإنساني ودوافعه، فإنّ المتأثرين بهذه العادة يمارسون إسقاطات نفسية يطرحونها بأسلوب فكاهي مغلف بالمقالب وبعدة أساليب كالكذب المصاحب للتخويف أو الترهيب، وإرسال أخبار مرعبة أو مواعيد مكذوبة وإشاعات مغلوطة، بالتالي فهي إسقاط سلوكي على من يرغبون بالسلب أو الإيجاب، متذرعين بأنها مجرد مقلب فكاهي لعكس درجة المحبة أو الكره.
 ويرى خبراء الصحة النفسية أن المقالب تعتبر من التصرفات التي تؤدي للأذى النفسي إذا زادت على حدها وخرجت عن سياق المزحة الخفيفة، وأنّ لفت الانتباه هو أحد أسباب القيام بالمقالب، لكنها أحياناً قد ترتبط بالسمات الشخصية، فالشخص الذي يقوم بعمل المقالب مع أصدقائه يكون غير قادر على أخذ حقه، فيلجأ إلى المقلب كوسيلة غير مباشرة للرد على إساءة أحد أصدقائه أو التعبير عن الغضب، كما يؤكدون أن التخطيط للمقالب هو عدوان خفيّ ويحتاج من يقوم به للمساعدة من المتخصصين.

دول تحتفل.. ودول تمنع

 تختلف دول العالم في التقاليد المتبعة في الاحتفال بهذا اليوم وفي التسميات أيضاً، وتمنع ممارسته، في ألمانيا إذ يوافق يوم ميلاد الزعيم الألماني «بسمارك»، وتمنعه أيضاً إسبانيا، كونه يوماً دينيّاً مقدّساً، ويحتفلون به في 28 ديسمبر «يوم الأبرياء المقدّس»، وهو اليوم الذي يُسمح فيه للجميع، بما في ذلك وسائل الإعلام، بالكذب.
وفي البرازيل، يسمى يوم كذبة أبريل «بيوم الأكاذيب»، أما في بلجيكا وإيطاليا وفرنسا، فيُطلق عليه اسم «يوم الأسماك»، حيث يضع الأطفال أسماكاً ورقية على ظهور بعضهم البعض. وفي أسكتلندا، يعرف هذا اليوم  باسم «اصطياد الأغبياء»، ويتم الاحتفال به في أول يومين من شهر أبريل، وفي إيرلندا يقوم صاحب المقلب بتكليف إحدى ضحايا كذبة أبريل بإيصال رسالة مهمة لشخص ما، وعلى ذلك الشخص أن يوصلها بدوره لشخص آخر، إلى أن تفتح الرسالة التي تحمل عبارة «أنت أحمق، أرسلها لشخص آخر الآن».  ويُعدّ الأول من أبريل في بولندا يوماً لإلقاء النكات في تقليد يعود لقرون عدة، وفي هذا اليوم يتم إخبار الناس العديد من النكات، كما يتم إعداد الخدع من قبل وسائل الإعلام التي تتعاون غالباً لجعل المعلومات الكاذبة أكثر صدقية. ويحتفل الدنماركيون والفنلنديون والأيسلنديون والنرويجيون والسويديون بكذبة أبريل، من خلال وسائل الإعلام الإخبارية التي تنشر مواد صحافية كاذبة في الصحف.

كذبة أبريل الصادقة

ثمة أخبار وأحداث صادفت الأول من أبريل لم يصدقها أحد، من أغربها:
• في الأول من أبريل عام 2004 قالت شركة جوجل المالكة لـGmail إنها أطلقت البريد Gmail بمساحة 1 جيجا بايت، وهي مساحة كانت لا تُصدق في ذلك الوقت، واعتقد الناس أنها كذبة.
• كانت سيجا ونينتيندو أشهر الشركات التي تتنافس في سوق الألعاب الإلكترونية قبل سنوات، وفي الأول من أبريل عام 2007 أعلنتا أنهما ستطلقان لعبة تسمى «سونيك وماريو في الأولمبياد»، لكن الناس ظنوا أنها مجرد كذبة أبريل.
• عندما توفي الملك جورج الثاني ملك اليونان في الأول من أبريل عام 1947 اعتقد اليونانيون أنها كذبة أبريل، لكنه كان قد مات فعلاً.

اختراع  النسكافيه

 يحمل يوم الأول من شهر أبريل، إلى جانب كذبته الشهيرة، العديد من الأحداث التاريخية؛ ففيه رأس السنة الآشورية، وفيه تم اختراع النسكافيه عام 1938، وشهد نهاية الحرب الأهلية الإسبانية عام 1939، وتأسيس ستيف وزنياك وستيف جوبز شركة أبل عام 1976، وفي عام 2002 أصبحت هولندا أول دولة في العالم تجيز قانونيّاً الموت الرحيم.

أصل الكذبة

 انتشرت كذبة أبريل، بحسب تقرير لوكالة أنباء الشرق الأوسط، على نطاق واسع في إنجلترا بحلول القرن السابع عشر الميلادي، ويعزو ‏البعض تحديد يوم أول أبريل إلى أنه شهر بداية فصل الربيع، ومع الربيع يحلو للناس ‏المداعبة والمرح؛ إلا أن الواقع يكشف عن عدم وجود حقيقة مؤكدة لأصل هذه العادة.   ويرى آخرون أن هناك علاقة بين الكذب في أول أبريل، وبين يوم هولي المعروف في الهند، والذي يحتفل به الهندوس في 31 مارس من كل عام، وفيه يقوم البعض بمهام كاذبة لمجرد اللهو، ولا يُكشف عن حقيقة أكاذيبهم إلا مساء اليوم الأول من أبريل.
 وعلى الجانب الآخر؛ فإن الباحثين في أصل الكذب يرون أن نشأته تعود للقرون ‏الوسطى؛ إذ إن شهر أبريل في هذه الفترة كان وقت الشفاعة للمجانين وضعاف العقول‏؛ فيطلق سراحهم في أول الشهر، ويصلي العقلاء من أجلهم؛ وفي ذلك الحين نشأ العيد ‏المعروف باسم عيد جميع المجانين.