خالد يوسف: السينما «مبتخترعش حاجة»

محمود الخطيب

  |   19 سبتمبر 2018

يقف المخرج المصري خالد يوسف اليوم على سفح جبل، مطلاً من جانب على إنجازاته ومعاركه الفنية التي خاضها طيلة 28 عاماً، ومن جانب آخر ينظر إلى تجربته السياسية التي خاضها في السنوات السبع الأخيرة نائباً في البرلمان المصري. خالد في حواره مع «زهرة الخليج» يبدو شفافاً في أطروحاته، فبين ثنايا إجاباته، تجده متلهفاً لمهنته الأولى «الإخراج»، والتي منها يطل على منصبه السياسي الجديد. لا يخفي توقه «للانعجان» مجدداً بين الكاميرا و«لوكيشنات التصوير»، لكنه يريد أن يكون هو، المخرج خالد يوسف كما عرفه الجمهور. وسألناه:

• أنت اليوم مخرج سينمائي ونائب في البرلمان المصري في آن معاً، فهل طغت السياسة عليك، خاصة وأنك ابتعدت عن الفن سبع سنوات؟
سأبقى خالد المخرج، وهو اللقب الذي أعتز به، لا أنكر تجربتي السياسية، لكن الطاغي عليّ هو فني الذي قدمته طيلة السنوات الماضية، وهو الفعل الذي تواصلت مع الناس من خلاله، والفنان أبقى من السياسي في ذاكرة الناس، وأنا طيلة تاريخي أتكلم عادة في الشأن السياسي، لأنني أساساً ابن هذا المجال، كوني مهتماً بالشأن العام، وأجد أنه من الطبيعي أن تدخل هموم المواطن العربي حيز اهتماماتي، ومن شاهد أفلامي يجدني نقلت ما يعيشه الناس إلى الناس سينمائياً.

• هل أعطتك تجربتك السياسية خلال هذه السنوات بما شهدته من تحولات، ما يفيدك فنياً عند عودتك؟
بكل تأكيد، هي تجربة شديدة الثراء، ليست بالنسبة إلي وحدي، بل لكل الشعب المصري، فالسنوات السبع الماضية مرت فيها مصر بتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية كثيرة، وهذه التحولات زادت من خبراتهم، وأضافت لنا كمصريين تجارب أثرت فينا جميعاً.

العودة في «كارما»

• لماذا اخترت فيلم «كارما» عنواناً لعودتك؟
كونه عملاً إنسانياً، فما أحوجنا بعد ما حدث في عالمنا العربي في السنوات الأخيرة، إلى أن ننظر لأنفسنا ونستعيد إنسانيتنا، حيث سالت أنهار من الدماء بسبب العرق والدين واللون والانتماء والجنس، و«كارما» يتكلم عن الفروق التي وضعها الإنسان ضد شقيقه الإنسان.

• ألهذا السبب، اخترت عمرو سعد ليقدم الشخصيتين المتناقضتين؟
بالتأكيد، أردت أن تكون الصورة أكثر وضوحاً.

• لا أحد يختلف على أهمية عمرو سعد فنياً، لكن بصراحة هل هو نجم شبّاك؟
الجمهور من يحدد من هو نجم الشباك ولست أنا أو أي منتج أو مخرج. أنا أختار القيمة الفنية، وطيلة مسيرتي الفنية لا أعتمد على نجوم الشباك لتسويق أفلامي، وكنا نحصد أعلى الإيرادات.

مجازفة محسوبة

• أليس من المجازفة أن تعود للناس بفيلم معقد، في الوقت الذي يبحث فيه الجمهور عن الكوميديا؟
دائماً أضع الجمهور نصب عيني فيما أقدم، وأسعى إلى أن أقدم للناس ما يعنيهم، وفي الوقت نفسه لا أنتقد إقبال الجمهور على أفلام الكوميديا أو الأكشن، لأن إحدى مهام السينما الترفيه، لكن في الوقت نفسه دائماً ينتصر الجمهور لأفلامي، وكنت أحقق أعلى الإيرادات على الرغم من أنني لا أقدم الكوميديا أو الأكشن.

• لكن فيلم «كارما» سُحب من دور العرض بسبب الإقبال الضعيف جماهيرياً..
(مقاطعاً): إيرادات الفيلم لم تكن كما أفلامي السابقة، وأعتقد أن موعد طرحه في عطلة عيد الفطر، كان خاطئاً، لأن الناس يبحثون في مواسم الأعياد عن الترفيه فقط لا غير.

• هل تعتبر ما حدث رسالة ما لك؟
بالعكس، تم الاحتفاء بفيلم «كارما» نقدياً وجماهيرياً من خلال جولة فنية قمنا بها في بعض الدول العربية للترويج له، كما تم الاحتفاء النقدي والإعلامي بعودتي للسينما، من خلال دعوتي ضيفاً في عدد من المهرجانات العربية، آخرها «وهران» في الجزائر» و«الفحيص» في الأردن.

لُبس في التواصل

• في جولة الترويج لفيلم «كارما» في دبي، كتب في بعض وسائل الإعلام، أن خالد يوسف وبعض أبطال الفيلم، فضلوا التسوق والسياحة، عوضاً عن التقاء الجمهور وأهل الإعلام، وأن العرض الخاص للفيلم تأجل ثلاث مرات حتى تكونوا موجودين، إلا أن ذلك لم يحدث، فما حقيقة الأمر؟
صدقاً، لأول مرة أسمع هذه الحكاية، فنحن التزمنا ببرنامج الزيارة الذي وضعته الشركة المسوقة للفيلم في الإمارات، وكنا حاضرين حسب المواعيد المبرمجة مسبقاً والتقينا أهل الإعلام والجمهور أيضاً. لكن دعني أوضح لك نقطة لاحظتها أثناء العرض الخاص، وهي أن الشركة المسوقة للفيلم متخصصة بتسويق الأفلام الأجنبية، وكان فيلم «كارما» هو أول فيلم عربي تتولى تسويقه في الإمارات، وقد يكون هذا السبب قد أحدث لبساً في التواصل مع بعض وسائل الإعلام العربية.
أبو عبد الله الأحمر

• كان من المقرر أن تعود سينمائياً من خلال فيلم يحكي عن آخر حكام الأندلس، وهو حاكم غرناطة أبو عبد الله الأحمر، ضمن مشروع إنتاجي مع رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، يتضمن أربعة أفلام، لماذا تأخر المشروع وهل ألغي أم تأجل؟
بالفعل هناك بروتوكول إنتاج أفلام مع خلف الحبتور، وكان من المقرر أن نبدأ بهذا الفيلم، لكن تأجل تنفيذ هذا البروتوكول، وسنحت لي وقتها فرصة «كارما» فقدمت الفيلم، وحالياً أعمل على فيلم تسجيلي وثائقي يتناول الحركات الدينية المتطرفة، وعندما أنتهي منه سأبدأ بفيلم الأندلس.

• وهل سيكون من إنتاج خلف الحبتور، وهل سيكون إسقاطاً على الوضع العربي الراهن؟
سأقدم الفيلم بالتعاون مع منتج آخر، ولكي يعرف الناس فلا خلافات بيننا إطلاقاً، إنما قررنا أن نؤجل تنفيذ البروتوكول إلى مرحلة لاحقة، ولا يوجد في الفيلم أي إسقاط مماثل حالياً، أنا في أعمالي لا أقدم التاريخ إلا إذا كان فيه فائدة للمستقبل، فأبو عبد الله الأحمر، كان آخر نقطة احتكاك بين الغرب والعرب، وفي حكايته الكثير من الدلالات والدروس المهمة التي قد تفيدنا في واقعنا وفي صناعة مستقبلنا، وتعرج على أشياء قد تكون مماثلة لما نعيشه حالياً.

يوسف شاهين

• مرت قبل أيام الذكرى العاشرة لرحيل المخرج يوسف شاهين، بعد كل هذا الفراق بماذا تشعر تجاهه؟
في كل مرة أشتاق له أكثر، «بص.. بتوحشني سينما شاهين، بيوحشني هوه.. وبفتقده»، هو كان بالنسبة إلي أباً ومعلماً وسنداً ألجأ إليه، برحيله فقدت أشياء كثيرة في الحياة.

• ما شعورك عندما يصفك الناس بأنك تلميذ يوسف شاهين؟
أشعر بالفخر الشديد.

• بعد كل ما قدمته، هل خرجت من عباءته فنياً؟
أنا خرجت من عباءته منذ أول فيلم قدمته، أفلامي لا تشبه ما قدمه شاهين، وهذا الأمر ليس بشهادتي، بل بشهادة النقاد والجمهور والفنانين، عندما كنت مساعداً له، كان يعلمنا كيف نعبر عن أنفسنا ولا نعبر عنه، كنا فعلاً نقدم رؤيته في أفلامه، لكنني شخصياً قدمت رؤيتي في أفلامي.

بين السينما.. والدراما

• كيف ترى حال السينما حالياً؟
بالتأكيد تعيش في أزمة، ولا ننسى أن صناعة السينما وصناعة السياحة، هما أكثر ما يتأثر من عدم الاستقرار في العالم العربي، ولأن التوتر في بعض الدول لا يزال قائماً، فلا تزال الأزمة موجودة، فالاستقرار سيسهم في تعافي السينما العربية.

• ومن المنتصر اليوم جماهيرياً السينما أم الدراما؟
السينما ستبقى سينما، وتطور وسائل التكنولوجيا الحديثة وانتشار الـ«سوشيال ميديا»، جعلت من بقية الوسائط الناقلة كالتلفزيونات والإذاعات في طريقها للاندثار، فأصبحت الـ«سوشيال ميديا» عملاً ناقلاً للأفكار والصور والمواد الفيلمية، وتصلك مثل هذه الأشياء بسهولة وفي أي مكان. لكن السينما أنت تدخلها بقرار منك، تدخل الغرفة المظلمة وتتوحد نفسياً وعاطفياً بانفعالاتك مع ما تشاهده من مجريات، لذلك ستبقى خالدة.

• هل تفكر بتقديم مسلسل درامي؟
صدقاً أرغب بذلك، ويعرض عليّ كثيراً. لكن كل ما يقدم لي فيه فن تطويل وإماطة اللحظة، أعتبر أحياناً أن السيناريو المعروض جميل جداً وفيه حكاية، لكنه لا يستحق أكثر من 13 حلقة، لكن المنتج يريده أن يصل إلى 30، بسبب حساب العرض التلفزيوني والإعلانات، فأرفض. وشرطي الوحيد لقبول إخراج أي عمل درامي، وجود مسلسل يستحق أن يقدم في 30 حلقة، لأنني حريص على أن أطل على الجمهور من خلال الدراما التلفزيونية.

ظاهرة.. محمد رمضان

• كيف تفسر ظاهرة الفنان محمد رمضان؟
هو يعبر عن شوق الجيل الحالي لوجود بطل، والجمهور وجد في رمضان البطل الذي يحقق طموحاته وينتصر لهزائمه وضعفه، ويستطيع أن يأخذ حقه، ويتحول من الفقر للغنى. وما يحدث حالياً هو نموذج معروف في فن السينما، فكل جيل يخلق البطل حسب طموحاته وأمنياته.

• أنت كمخرج هل ترى محمد رمضان نجماً؟
طبعاً هو نجم، لأن الجمهور هو من يمنح الفنان هذا اللقب، والجمهور منحه ذلك. لكن لك كصحافي أن تسألني هل محمد رمضان فنان أم لا؟، ودوري أن أجيبك، بأنه فعلاً فنان، وفنان قوي جداً، وأؤكد لك أن رمضان حتى الآن لم يظهر كل ما يملك من أدوات فنية.

• وهل من الممكن أن نراه في فيلم من إخراجك؟
نعم وما المانع عن ذلك؟

• ما رأيك باللغط المثار حوله، وأنه يعلق بكونه الفنان الأول والأعلى إيراداً، وقصة تحوله إلى الغناء...
(مقاطعاً): هذه هي طريقة محمد رمضان، هناك من يقبلها وهناك من يرفضها من الجمهور ومن الفنانين ومن الإعلام أيضاً، فهناك من يعلق عليه بتعليقات سخيفة، وهناك من يرى أنه يعبر عن نفسه بصدق.

• هناك من ينتقد ترويج السينما والدراما في مصر، للبلطجة والإجرام، فإلى هذه الدرجة انخفض الوعي لدى القائمين على الفن؟
«السينما مبتخترعش حاجة»، وحتى نموذج محمد رمضان ليس من اختراعه، هو شيء موجود في الشارع، والسينما مرآة الواقع التي قد تحمل بعض المبالغة، فالسينما ليست سبباً في انتشار البلطجة مثلاً، لكنها تسلط الضوء عليها كظاهرة، وهذا الأمر يقع على عاتق الفنان بأن يبدع في تقديم الحالة، والسؤال هنا، هل الفنان عندما يعكس الصورة الحقيقية للبلطجة سينمائياً، يروج لها أم يعالجها؟

• هل ترى في محمد رمضان امتداداً للراحل أحمد زكي؟
لا يوجد أحد يشبه غيره ولا أحد يمثل امتداداً لمن سبقه. فرمضان هو رمضان وزكي هو زكي.

• أخيراً، ماذا تقول عن الفنان الأردني الراحل ياسر المصري، الذي كنت قد قدمته فنياً لأول مرة في مصر في فيلم «كف القمر»؟
رحمه الله، فخبر وفاته وقع عليّ كالصاعقة، فهو قبل أن يكون فناناً استثنائياً ومتمرساً وصاحب رؤية فريدة، هو إنسان خلوق وملتزم ومعجون بالمحبة، وعندما اخترته لتقديم دور «ضاحي» في فيلم «كف القمر»، راهنت عليه كثيراً، بعدما شاهدته في أكثر من عمل بدوي، وفعلاً نجح ياسر معي في مصر، وشارك لاحقاً في مجموعة من أعمال الزملاء، وحقق انتشاراً وجماهيرية يستحقهما فعلاً.

مقالات مختارة

بهذه الطريقة سيساعدك هاتف HUAWEI P40 Pro على إنجاز المهام