منى بلفقيه: أريد لفني أن يُعيد فتح أبواب الذاكرة
#منوعات
ندى الرئيسي اليوم 21:32
في شخصية الدكتورة منى بلفقيه، يجتمع الفكر الأكاديمي بحسّ الفنان، ورؤية المخطِّط بمخيلة المبدع؛ فهي ليست فقط فنانة أو أكاديمية، بل نموذج إماراتي يجمع بين اللغويات، وإدارة الأعمال، والفنون الجميلة، في مسار واحد يصنع قصة نجاح ملهمة. درست بلفقيه اللغويات، وعملت لسنوات في التعليم العالي والتدريب المهني، ثم تابعت شغفها بالفن والتصوير؛ لتصنع حضوراً بصرياً خاصاً بها؛ فهي أم لأربعة أبناء، وفنانة تشكيلية، ومصوّرة شاركت في معارض محلية ودولية، وتستمر اليوم في تقديم تجربة فنية تربط التراث بالحاضر، بروح شفافة ومُلهِمة.. «زهرة الخليج» التقتها؛ للحديث عن بداياتها، ورؤيتها الفنية، وارتباط أعمالها بالهوية والتراث، في هذا الحوار:
-
منى بلفقيه: أريد لفني أن يُعيد فتح أبواب الذاكرة
كيف بدأ شغفكِ بالفن، وهل أثر لاحقاً في مسيرتكِ الأكاديمية والمهنية؟
شغفي بالفن بدأ منذ الطفولة، خاصة أنني تأثرت - بشكل كبير - بوالدي، حفظه الله؛ لأنه كان فناناً تشكيلياً، وكان وجوده يمنحني بيئة فيها حسّ فني عالٍ. كنت أراقب طريقته في التعامل مع الألوان والفرش، ومن دون قصد تشربت الفن كجزء من يومي. ومع مرور الوقت، صار هذا الشغف مساحة للتعبير والتوازن، وتأثيره امتد حتى إلى طريقتي الأكاديمية والمهنية؛ لأنني تعلمت - من خلاله - رؤية التفاصيل، والعمق خلف كل شيء.
بين الواقعية.. والتجريد
ما أول عمل فني جعلكِ تدركين أن الفن سيكون جزءاً من حياتكِ؟
هذا العمل اسكتش بسيط لي وأنا أرتدي ثوباً خاطته جدتي؛ حين انتهيت منه شعرت بأنني استطعت أن أوقف اللحظة، وأوثّق الإحساس، وقتها أدركت أن الفن لن يكون مجرد هواية، بالنسبة لي.
-
منى بلفقيه: أريد لفني أن يُعيد فتح أبواب الذاكرة
حدثينا عن أسلوبكِ الفني.. بين الرسم، والتصوير!
أسلوبي مزيج من الواقعية والتجريد؛ فالتصوير عندي توثيق للحظة، وعمق بصري صادق. بينما الرسم هو المساحة التي أضع فيها شيئاً من ذاتي. لذلك، يغلب الرسم على حضوري الفني، رغم أن كل لوحة، تقريباً، تبدأ من صورة تتشكل، لاحقاً، في خيالي، ثم تتحول إلى عمل يحمل بصمتي.
هل أثّرت دراستكِ للغويات في أعمالكِ البصرية؟
نعم، أثرت دراستي للغويات في فني بشكل واضح، فقد تعلّمت - من خلال هذا التخصص - أن وراء كل كلمة معنى، ووراء كل معنى قصة. وهذا، تماماً، ما أنقله إلى لوحاتي. إن اللغويات علمتني أهمية التوثيق المفصّل للواقع، ومراقبة التغيير، وهذا الجانب انعكس مباشرة على أسلوبي الفني، خاصةً في الطريقة التي ألتقط بها الصور، وشغفي العميق بالتراث بأشكاله كافة. إنني أرى الألوان والخطوط كمفردات لغوية، فلكل خط وظيفة، ولكل خامة دلالة، ولكل اختيار بصري معنى؛ لهذا تأتي أعمالي مبنية على ربط التراث بالحاضر، من خلال فهمي للّغة، والأثر، والتغيّر عبر الزمن.
-
منى بلفقيه: أريد لفني أن يُعيد فتح أبواب الذاكرة
مساحة للشفاء.. والطاقة
كيف توفقين بين مسؤولياتكِ المهنية، وشغفك الفني؟
كنت، دائماً، أعود إلى الفن كمساحة شفاء وطاقة، وسط زحمة المسؤوليات. واليوم بعد التقاعد، أصبح الفن مشروعي الأساسي، ومساحتي اليومية؛ للتعبير، والبناء.
ما مصادر الإلهام التي تنطلقين منها، وهل يحتل التراث مساحة واضحة في أعمالكِ؟
أستلهم أعمالي من الإنسان والمشاعر أولاً، من: المرأة، والحنين، والقوة، ومن لحظات التغيير، والعزلة الجميلة. لكنَّ جزءاً كبيراً من إلهامي مرتبط، أيضاً، بالتراث؛ فهو - بالنسبة لي - ليس مجرد خلفية، بل جذور وهوية وروح. منذ صغري، وأنا شغوفة بالتراث بكل الطرق التي تجسده؛ مثل: ثياب الأجداد، والحلي القديمة، والأهازيج التي تحمل ذاكرة المكان، وصوت الزمن. تراثنا ثري جداً، ويستحق أن يُوثَّق، ويُحتفى به، وهذا ما أحاول فعله بطريقتي الخاصة. لذلك، يظهر التراث في أعمالي بروح ناعمة، في: المواضيع المختارة، والرموز، والألوان، والنقوش، والأرضيات المستخدمة كخامة أو كألوان؛ لأربط - بذلك - بين الماضي والحاضر بطريقة صادقة تشبهني.
-
منى بلفقيه: أريد لفني أن يُعيد فتح أبواب الذاكرة
كيف توظفين العناصر التراثية في لوحاتكِ؛ لتكون أكثر من مجرد رموز بصرية؟
العناصر التراثية في لوحاتي، ومنها: الخشب، والخامات البيئية؛ تحمل روحاً خاصة، وذاكرةً، وعُمراً، ودفئاً حقيقياً، عبر السنين. بالنسبة لي، هذا ليس مجرد اختيار تقني، بل اختيار فني وإنساني؛ فأنا أحب أن تكون اللوحة مرتبطة بالبيئة التي نشأت فيها، وأن تحمل شيئاً من روح البيت، والذاكرة، والضيافة، وحياة البيوت القديمة. فأرى الخشب ليس فقط خامة للرسم، بل جزءاً من الذاكرة، إنه قطعة عاشت، واستُخدمت، وكانت جزءاً من بيت؛ لذلك أتعامل مع السطح الخشبي كصفحة تحمل أثراً لا يختفي، وحضوراً يربط بين الماضي والحاضر. أما العناصر التراثية، فأعتبرها لغة بصرية، وليست فقط رموزاً للزينة. وأبحث، دائماً، عن الطريقة التي تجعلها جزءاً من التكوين، والعمق، وروح العمل. كما أستحضر اللحظات الإماراتية، والخليجية، المرتبطة بالأصالة، والعادات المتجذّرة؛ مثل: الضيافة، والقهوة العربية، وتفاصيل اللباس التقليدي، والنقوش، والحلي، والخشب المعتّق، وأجمعها داخل اللوحة بروح ناعمة وجميلة، دون مبالغة أو تكرار.
-
منى بلفقيه: أريد لفني أن يُعيد فتح أبواب الذاكرة
في أعمالك.. كيف تصوغين العلاقة بين الماضي، والحاضر؟
أرى الأصالة والحداثة حواراً مستمراً، تماماً كما هي الإمارات: تتقدم إلى المستقبل بثقة، مُتمسكةً بجذورها. والفن لديَّ يجسّد هذه الفكرة، من خلال دمج الهوية مع روح الزمن الجديد.
حضور.. وقوة
للمرأة حضور واضح في أعمالكِ.. ما الذي تريدين قوله، من خلال هذا الحضور؟
المرأة عندي ليست موضوعاً بل حضور دائم ومؤثر؛ فأحاول أن أظهرها كما هي: قوية، وحساسة، وحقيقية، ومتنوعة. وربما يعود هذا العمق في نظرتي للمرأة إلى ارتباطي الكبير بجدتي، رحمها الله، منذ طفولتي، فكل شيء يذكّرني بها، وبوقتي معها، وبطفولتي القريبة من حضنها الدافئ؛ فقد كانت مصدر قوتي وطمأنينتي، وكانت المرأة الأولى التي علمتني معنى الثبات، والروح، والحنان. لذلك، تحمل أعمالي رسالة، مفادها أن المرأة تستحق أن يُحتفى بها كما هي، بطاقتها، وقصصها، وحضورها الإنساني العميق، الذي يشبه جدتي، وكل النساء اللاتي شكّلن جزءاً من قوتي.
-
منى بلفقيه: أريد لفني أن يُعيد فتح أبواب الذاكرة
ما الرسالة، التي تطمحين إلى إيصالها للجمهور، من خلال أعمالكِ الفنية؟
أريد لأعمالي أن تفتح ذاكرة ما، أو توقظ إحساساً، أو تمنح لحظة تأمل. وأطمح أن يرى الجمهور الهوية والصدق والانتماء داخل كل لوحة.
ما مشاريعك، وأعمالك، الفنية المستقبلية؟
أعمل على مجموعة فنية جديدة، تتمحور حول التراث الإماراتي بروح معاصرة، كما أستعد للمشاركة في معارض خلال العام، من بينها: معرض في روسيا، و«World Art Dubai»؛ لعرض رؤية أعمق للذاكرة الإماراتية، ضمن سياق عالمي.