التهابات الشتاء إهمالها قد يسبب أمراضاً أشد خطورةً
#صحة
كارمن العسيلي اليوم
للوهلة الأولى، يبدو «التهاب الحلق» مجرد ألم عابر في البلع، أو بحة صوت مزعجة.. لكن خلف هذا الانزعاج البسيط عالم كامل من التفاعلات الدقيقة، يمتد من الأنف إلى الرئتين، حيث تتقاطع المناعة مع البيئة، ويتأثر الجسد بكل تغيّر في الطقس، أو في أسلوب حياتنا. وفي فصلَي الخريف والشتاء، تبدأ الفيروسات في التحرك، ويتكرر المشهد: سعال جاف، وحرارة خفيفة، ثم التهابات تمتد، أحياناً، إلى الصدر والرئة.. وحول هذه الظاهرة الموسمية، التقينا الدكتور عمر خدام، استشاري ونائب رئيس قسم الطب الباطني في مدينة الشيخ شخبوط الطبية؛ فقدّم قراءة طبية شاملة عن الأسباب، والتمييز بين الحالات، وسبل الوقاية والعلاج.
-
التهابات الشتاء إهمالها قد يسبب أمراضاً أشد خطورةً
من الحلق إلى الصدر
يقول الدكتور عمر خدام: «(التهاب الحلق) هو التهاب في البلعوم أو اللوزتين، وغالبًا يكون نتيجة عدوى فيروسية، أو بكتيرية. أما النزلات الصدرية، فهي التهابات تصيب الشُّعب الهوائية، أو أنسجة الرئة. وقد تبدأ العدوى بسيطة في الحلق، ثم تمتد تدريجيًا إلى الجهاز التنفسي السفلي، خاصةً عندما تَضْعُفُ المناعة، أو لدى الفئات الأكثر عرضةً». ويشرح: إن هذه الحالات ترتبط، كثيرًا، بمواسم البرد، حيث تتكاثر الفيروسات مع انخفاض درجات الحرارة، ويزداد الاختلاط في الأماكن المغلقة، إضافة إلى جفاف الهواء، الذي يُضعف الأغشية المخاطية، ويجعلها أكثر عرضة لاختراق الجراثيم.
شريكان في العدوى
يُشير استشاري ونائب رئيس قسم الطب الباطني إلى أن السلوك اليومي يلعب دورًا كبيرًا في زيادة، أو قلة فرص الإصابة، قائلاً: «التكييف البارد لفترات طويلة، والتدخين، وحتى التنقّل المتكرر بين الحر والبرد، كلها عوامل تُربك الجهاز التنفسي. كما أن قلة النوم، وضعف التغذية، يُضْعفان المناعة، ويجعلان الجسم أرضًا خصبة لأي عدوى». ويضيف الدكتور عمر خدام: «الازدحام، والاحتكاك المباشر، من أكثر مسببات انتشار العدوى في المدارس، والمكاتب، والمراكز التجارية»، داعيًا إلى التهوية الجيدة، وتجنّب الأماكن المغلقة، قَدْرَ الإمكان.
الفيروس.. أم البكتيريا؟
يوضح الدكتور عمر خدام أن أكثر التهابات الحلق والصدر سببها فيروسات، لا تحتاج إلى مضاد حيوي.. فيقول: «الالتهاب الفيروسي، عادةً، يكون خفيفًا إلى متوسط، ويترافق مع سعال جاف، وألم بسيط في الحلق، واحتقان أنفي، وحرارة منخفضة. أما الالتهاب البكتيري، فيكون أشد، وتصاحبه أعراض، منها: حرارة مرتفعة، وألم شديد في الحلق، وصعوبة في البلع، وقد يظهر صديد على اللوزتَيْن، أو بلغم غليظ مصفرّ». ويؤكد أن التشخيص لا يمكن أن يُترك للتخمين، بل يحتاج إلى تقييم طبي دقيق، وربما إلى فحوص، مثل: المسحة البكتيرية، أو تحليل الدم؛ لتحديد العلاج المناسب.
متى يصبح العارض خطراً؟
يقول استشاري ونائب رئيس قسم الطب الباطني: «عندما تستمر الحرارة لأكثر من 48 ساعة، أو يصاحبها ألم صدر، أو ضيق تنفس، أو سعال متواصل لأكثر من أسبوعين، فهذه إشارات تستدعي مراجعة الطبيب فوراً». ويُحذر من تجاهل الأعراض، أو الاعتماد على وصفات منزلية فقط؛ لأن بعض الحالات قد تتطور إلى التهاب رئوي، خاصة لدى كبار السن، أو المصابين بأمراض مزمنة، مثل: الربو، أو السكري.
فئات أكثر عرضةً
يُعد الأطفال، وكبار السن، ومرضى القلب والرئة والسكري، من أكثر الفئات حساسية تجاه الالتهابات الصدرية، بحسب الدكتور عمر، الذي يوضح: «الأطفال يُظهرون الأعراض بسرعة كارتفاع الحرارة، أو القيء، بينما كبار السن قد يُبدون أعراضًا خفيفة؛ رغم وجود التهاب شديد، وذلك بسبب ضعف المناعة. وأحيانًا تكون العلامة الوحيدة هي الإرهاق، أو فقدان الشهية».
تشخيص.. وعلاج
يشير الدكتور عمر خدام إلى أن التشخيص يبدأ بفحص سريري دقيق للحلق والصدر، وقد تُطلب مسحة للحلق؛ للكشف عن البكتيريا، أو أشعة للصدر في حال الاشتباه بالتهاب رئوي. كما تُستخدم مزارع البلغم في الحالات المتقدمة؛ لتحديد نوع الميكروب بدقة. أما العلاج، فيعتمد على السبب: فالالتهابات الفيروسية تُعالج بالراحة، والسوائل، وخافضات الحرارة. بينما الالتهابات البكتيرية تحتاج إلى مضاد حيوي بوصفة طبية فقط. ويحذر من استخدام المضادات الحيوية دون تشخيص واضح؛ لأنها تسبب مقاومة بكتيرية، وضعفًا في المناعة، واضطرابًا في الجهاز الهضمي.
-
التهابات الشتاء إهمالها قد يسبب أمراضاً أشد خطورةً
علاجات منزلية
يؤكد استشاري ونائب رئيس قسم الطب الباطني أن بعض العلاجات المنزلية البسيطة تساعد في تخفيف الأعراض، وتسريع التعافي في الحالات الفيروسية الخفيفة، مثل: الغرغرة بالماء والملح لتقليل الالتهاب، واستنشاق البخار لترطيب الشعب الهوائية، وشرب العسل مع الليمون لتلطيف الحلق وتهدئة السعال. ويضيف: «هذه الوسائل مفيدة، لكنها لا تُغني عن العلاج الطبي؛ إذا ظهرت حرارة مرتفعة، أو ضيق في التنفس».
تغذية.. ولقاحات
التغذية الجيدة تعد خط الدفاع الأول.. يقول الدكتور عمر: إن تناول الفواكه الحمضية، والخضراوات الغنية بفيتامين (C)، والعسل الطبيعي، وحساء الدجاج الدافئ، يعزز المناعة، ويساعد الجسم في مقاومة العدوى. كما يشدد على أهمية اللقاح الموسمي ضد الإنفلونزا، الذي يحدّ من الإصابات التنفسية ومضاعفاتها، خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة.
وقاية
يختم الدكتور عمر خدام، استشاري ونائب رئيس قسم الطب الباطني في مدينة الشيخ شخبوط الطبية، حديثه بنبرة هادئة حازمة، فيقول: «الوقاية ليست شعارًا موسميًا، بل أسلوب حياة. فغسل اليدين، وتهوية المنازل، والنوم الكافي، وتجنّب التدخين، خطوات بسيطة، لكنها تصنع فرقًا كبيرًا. والأهم، ألا نستهين بالأعراض الصغيرة، فالجسد يهمس أولاً، قبل أن يصرخ».
5 أسئلة.. وأجوبة
1 . هل يمكن أن تسبب الحساسية أعراضاً تشبه الالتهاب؟
نعم، فالحساسية الموسمية قد تُحْدِثُ سعالاً وحكة في الحلق، واحتقاناً يشبه العدوى، لكنها لا تُرافق، عادةً، بارتفاع الحرارة، وتتحسن بتجنّب المسبّب، أو مضادات الهيستامين.
2 . ما علاقة ضعف المناعة بتكرار الالتهابات؟
ضعف المناعة بسبب الإرهاق، أو سوء التغذية، يجعل الجسم أكثر عرضة للعدوى. ودعمه يكون بالنوم الجيد، والتغذية المتوازنة، وتقليل التوتر.
3 . هل يؤثر التوتر النفسي في الإصابة؟
نعم، فالتوتر المزمن يُضْعف المناعة عبر زيادة هرمون «الكورتيزول»؛ ما يسهّل العدوى، ويؤخر الشفاء.. إن الراحة الذهنية جزء من الوقاية.
4 . ما أهمية شرب السوائل أثناء المرض؟
الترطيب يمنع جفاف الحلق، ويساعد في طرد الإفرازات. وقلة السوائل تُبطئ التعافي، وتزيد تهيّج الشعب الهوائية.
5 . ما العادات اليومية، التي قد تسبّب التهابات متكررة؟
هناك عادات عدة قد تفعل ذلك، منها: التعرض المفاجئ للبرودة بعد التعرق، واستخدام المكيّف مباشرة بعد الاستحمام، ومشاركة الأدوات الشخصية.. فكلها عوامل تُعيد العدوى، وتُضْعف الجهاز التنفسي.