«حديقة الفراشات» في أبوظبي تعيد ترتيب علاقتنا بالبيئة
#سياحة وسفر
كارمن العسيلي اليوم 16:00
«الفراشة ليست سوى زهرة تطير، والزهرة فراشة مقيدة».. عبارة تختصر سحر هذا الكائن الجميل، قالها الشاعر الفرنسي، بونس دينيس إيكوشارد ليبرون، ذات مرة، لكنكم لن تدركوا عمق معناها؛ إلا بعد زيارة «حديقة الفراشات» بمنطقة القناة في أبوظبي، والسير وسط مئات «الأزهار الطائرة»، التي ستجعل العالم الخارجي يتلاشى خلفكم في لحظة واحدة. ففي هذه الحديقة المميزة، لن تبهركم الألوان، ولن تأسركم الروائح فحسب، وإنما ستكتشفون أيضاً حقيقة لم تعرفوها، وستسمعون أسراراً تهمس بها الفراشات، وأصدقاؤها من الكائنات الحية، عن الحياة، وعلاقة الإنسان بالطبيعة. وسيتبين لكم أن هذه الكائنات الرقيقة حارسة الحياة، ومهندسة الطبيعة الصامتة، وأنها تقوم بمهمة شاقة هي «التلقيح الطبيعي»، تماماً كالنحل؛ لتبث الحياة في الأرض.. استعدوا، الآن؛ لجولة استثنائية في عالم الفراشات الجميلة؛ حيث سنشارككم ما شاهدناه، خلال زيارتنا إلى تلك الحديقة المميزة بقبتَيْها الزجاجيتَيْن، وسكانها، ورسالتها.
-
«حديقة الفراشات» في أبوظبي تعيد ترتيب علاقتنا بالبيئة
تحت القبة الآسيوية
مع أول خطوة تحت هذه «القبة»، ينكشف أمامكم المكان؛ فلا أقفاص تجعلكم متفرجين فقط، ولا زجاج يفصلكم عن نبض الحياة؛ فأنتم، هنا، داخل عالم هذه الكائنات الحية فعلاً، لذلك انتبهوا إلى خطواتكم على الأرضية الخشبية الرطبة، فقد تختار فراشة صغيرة أن تستريح عند أقدامكم، دون سابق إنذار. وعلى أنغام موسيقى شرق آسيوية هادئة، ستجدون أنفسكم مدفوعين إلى التمهل، وتأمل هذا العالم المزدحم بالألوان، والحركة.. إنها مساحات خضراء وارفة، وبرك ساكنة تسبح فيها أسماك «الكوي»، التي تحيط بكم من كل جانب، كأن «القبة» استعارت من آسيا تنوعها البيئي، ووضعته أمامكم.
-
«حديقة الفراشات» في أبوظبي تعيد ترتيب علاقتنا بالبيئة
هنا، ترافقكم الدهشة خطوةً بخطوةٍ، والابتسامة لا تكاد تفارق وجوهكم، وأنتم ترفعون رؤوسكم؛ لتتبع الأجنحة الملونة، أو تنحنون قليلاً لتدققوا في التفاصيل: هنا فراشات تتغذى بِنَهَمٍ على شرائح البرتقال، وهناك طيور صغيرة تُحلق بحرية تامة، وعلى غصن قريب، يتمدد «دب القط الآسيوي»، أو «البنتورونغ» كما يُعرف، فجسمه قريب من الدب، ووجهه يشبه القط، وذيله الطويل يستخدمه للتوازن بين الأشجار. هذا المخلوق المهدد بالانقراض، يحمل مفاجأة: «رائحته تشبه الفشار!».. إنه تفصيل طريف يجعلكم تبتسمون أكثر، خاصةً حين تعرفون أن لكلّ «دب» رائحة خاصة تختلف قليلاً عن غيره؛ فتغدو بمثابة توقيعه الخاص.
-
«حديقة الفراشات» في أبوظبي تعيد ترتيب علاقتنا بالبيئة
ومن بين الأغصان، يطل «السنجاب» العملاق، الذي يعيش في شبه القارة الهندية، ويعد واحداً من أربعة أنواع من السناجب العملاقة، التي تعيش على الأشجار، لكنه يخالف أقرباءه في طريقة حفظ توازنه، إذ يعتمد على قدمَيْه الخلفيتَيْن، وليس على ذيله. وحين يخاف، يتجمد في مكانه كتمثال صغير، أو يتسطح على الغصن بلا أي حركة، معلومة مثيرة للاهتمام.. أليس كذلك؟!
-
«حديقة الفراشات» في أبوظبي تعيد ترتيب علاقتنا بالبيئة
في القبة الأميركية
الزيارة لم تنتهِ بَعْدُ، فالقبة الأميركية تنتظركم؛ لتنقلكم إلى أعماق «الأمازون»، و«براري الأميركتين» النابضة بالحياة. والمشهد، هنا، لا يختلف كثيراً عن سابقه؛ فالألوان تتداخل من جديد؛ لترسم لوحة طبيعية آسرة. أما فراشات: «البلو مورفو»، و«الوايت أنغل سلفر»، و«الباندد أورنج»، و«أويل باترفلاي»، فترفرف من حولكم، مزهوةً بأجنحتها، وغير مبالية بصيحات الدهشة المترددة في الأرجاء. وفي هذا الفضاء الحي، تشاهدون كائنات، منها: «التمساح القزمي» (كيفييه)، و«آكل النمل» (تاماندوا)، بينما تتسلل طيور «الطنان» بخفة بين الأزهار الاستوائية، كما يمكنكم إطعام حيوان «الكسلان ثنائي الأصابع» (لينيوس)، في تجربة تفاعلية تُشعركم بأنكم جزء من هذا العالم. وحتى لا تضيع التفاصيل البيئية، تنتشر في أرجاء «حديقة الفراشات» لوائح تعليمية مبسطة، تُعرّف الكبار والصغار بأعمار الفراشات؛ كفراشة «سافو طويلة الأجنحة»، التي تمتد أجنحتها إلى حوالي 78 ملم، وتعيش بمتوسط عمر يصل إلى 570 يوماً، بجانب برك أسماك تعكس بيئة القارة الأميركية.
-
«حديقة الفراشات» في أبوظبي تعيد ترتيب علاقتنا بالبيئة
رسالة بيئية
الفراشات، التي تملأ القبتين، لم تصل إلى «الحديقة» في أبوظبي بمحض الصدفة، فكل شرنقة تحمل قصتها الخاصة، والحديقة ذاتها لم تُبنَ؛ لتكون مساحة جميلة تُزار وتُنسى، بل لتحمل رسالة تتجاوز الألوان، والدهشة. فكل فراشة تحلّق أمامكم سفيرة حية تربط بين قارات، وأناس، وأرض، وتذكّركم بأن وراء كل رفة جناحٍ يدَ إنسانٍ رَبَّتْ، ورَعَتْ، وانتظرتْ؛ لتصلكم هذه اللحظة كاملة الجمال، والمعنى. فهناك أكثر من 85 مربي فراشات من المجتمعات الريفية في كوستاريكا، وقرابة الـ15 مربياً من الفلبين، يزودون «حديقة الفراشات» في أبوظبي بالشرانق الجميلة، التي تتحول يومياً، في حجرات خاصة، إلى «زهور طائرة» بأنواعها وألوانها كافة. وهكذا، تحمل كل فراشة، ترونها تحلّق حولكم في أبوظبي، في جناحَيْها قصة دعم حقيقي لمعيشة أولئك المزارعين، وحماية أرضهم.
-
«حديقة الفراشات» في أبوظبي تعيد ترتيب علاقتنا بالبيئة
مساحة خاصة
يختلف الزوار في طريقة عيشهم هذه اللحظات؛ فمنهم من تكفيه ثلاثون دقيقة؛ ليستمد طاقة المكان كاملةً، ومنهم من يقضي ساعتين، ويشرب بهدوء قهوته، التي يشتريها من المقهى الملاصق، وسط رفرفة الأجنحة. ولأن للمكان سحره الخاص؛ استحدث القيمون على «الحديقة» تجربة «تناول الفطور مع الفراشات»، بين السابعة والنصف، والعاشرة صباحاً، حيث يمكنكم حجز «الحديقة» بالكامل؛ لتستمتعوا بتناول فطور شهي. كما تنظم «الحديقة» جلسات يوغا، وورش رسم استرخائية، لتمنحكم مساحتكم الخاصة للتنفس، والاندماج مع الطبيعة بأسلوب يلامس الروح. وحين تقترب منكم إحدى فراشات المكان، فلا تستعجلوها.. بل مدوا يدكم نحوها ببطء، وضعوا طرف إصبعكم بثبات أمام وجهها، وسترونها تتسلق إليكم بكل ثقة؛ لتترك في قلبكم شعوراً دافئاً، وساحراً؛ فـ«السعادة كالفراشة.. إن لاحقتها هربت منك، وإن جلست بهدوء فقد تحط برفق على كتفيك!».
-
«حديقة الفراشات» في أبوظبي تعيد ترتيب علاقتنا بالبيئة