ليلى الصلح حمادة : بيت أبي بيت الاستقلال الأول والأخير

زهرة الخليج  |   20 يناير 2011

في مناسبة حصولها مؤخراً على لقب «المرأة النموذج» من قبل البرنامج الذي تتولى إعداده «حملة الأيادي البيضاء»، التي ينظمها «اتحاد المنتجين العرب» بالتعاون مع «صندوق الأمم المتحدة للسكان» بصفتها أحد النماذج النسائية المشرفة على مستوى العالم العربي، كان لـ«زهرة الخليج» هذا الحوار مع نائب رئيس «مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية» الوزيرة اللبنانية السابقة ليلى الصلح.

 

ليلى الصلح حمادة سيدة لا تشبه غيرها. فهي أولاً، سليلة بيت عريق لا يزال تاريخه ماثلاً في الذاكرة العربية المعاصرة، وهي أول سيدة لبنانية تتولى حقيبة وزارية، وإن كانت تعتبر أن ذلك «ليس مهنة»، إنما كان «بفعل الصدفة» أو «حادث طريق»، كما يقال بالفرنسية. بعد تفرغها الكلي للعمل الخيري والإنساني، ترى ليلى الصلح حمادة أن «هناك ما هو أهم من العطاء، ألا وهو طريقة العطاء». وهي تؤكد أنها تعيش قصة حب رائعة مع بلدها، كاشفة أن بينها وبين الشعب اللبناني «قصة محبة واحترام، لا أريد لها أن تنتهي». وعلى الرغم من علاقتها الراقية والرائعة بأجهزة الإعلام، إلا أن لديها دائماً ما تخفيه عنها، حيث تقول: «إنّ هناك شقاً في «مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية»، لا يعرفه ولن يعرفه يوماً الإعلام، هو المساعدات الفردية التي تقوم بها المؤسسة بسرية تامة احتراماً لكرامة الناس». وفي ما يلي نصّ الحوار:
قدر وخيار


• أنت ابنة الرئيس الراحل رياض الصلح أول رئيس حكومة لبنانية بعد الاستقلال، وأرملة الوزير الراحل ماجد حمادة، وعام 2004 كنت أول سيدة لبنانية تتولى حقيبة وزارية هي وزارة الصناعة. فأين أنت الآن من عالم السياسة؟ وهل استحوذ عليك العمل الخيري والإنساني وخطفك من العمل السياسي؟
ـ أن أكون ابنة أول رئيس حكومة استقلالية، رياض الصلح، فهذا قدري، وأن أتزوج الوزير السابق ماجد صبري حمادة، فذلك كان خياري، ذلك أني تزوجت الرجل وليس المنصب. وأن أكون أول سيدة لبنانية تتولى الوزارة في بلدي، فهذا المنصب ليس مهنة بالنسبة إليَّ، لأني لم أنظر إلى الوزارة يوماً كباب أدخلني عالم السياسة، هي فقط وظيفة من الدرجة الأولى من أجل الخدمة العامة وليس لأجل التنظير السياسي. وأستطيع أن أؤكد هنا أني لست من عالم السياسة. إنما قدري هو الذي أدخلني إليها. وقد دخلتها بفعل الصدفة. علماً بأني أنا أفضل عملي الحالي، فأنا فيه سيدة نفسي، وسيدة قراري، همي الوحيد إسعاد غيري من المحتاجين. في حين أن السياسة اليوم في لبنان تقوم على مبدأ إسعاد نفسك في المنصب والاستمرار فيه.
ابنة أبيها


يُقال إنَّ «كل فتاة معجبة بأبيها»، ولكن زعيم الاستقلال رياض الصلح، يستحق أكثر من الإعجاب. فما الذي تعلمته من تاريخ نضاله الطويل، وما هي الصورة الخاصة جداً التي حرصت على أن تنقليها عنه إلى أبنائك؟
- أخذت منه حبه الكبير لوطنه وجعله أولوية لا مصلحة قبلها ولا بعدها. وثانياً، طريقته في معاملة الناس. كان يردّد دائماً على مسامع إخوتي: «كونوا قُساة مع أنفسكم ولكن تسامحوا مع الآخرين». وسأعترف لكم بسر هنا: أنا أخذت بالشق الأول من كلام أبي وأهملت الشق الثاني. فأنا لست متسامحة كثيراً خاصة إذا كنت صاحبة حق، أو في ما يتعلق برياض الصلح والعائلة. رياض الصلح بَنَى وطن الديمقراطيات، فاتحاً فيه المجال لكل طالب حكم أن يرتقيه من أي طبقة أتَى والأمثال كثيرة. بنى وطن الحريات لكل لاجئ ومهاجر، وليس وطن الفوضى الذي نعيشه اليوم. وأخيراً وليس آخراً، لم يكن رياض الصلح زعيماً بيروتياً سنّياً، إنما كان زعيماً لبنانياً عربيـــاً. علّمني العـزّة وليس الكبرياء، علّمني الاحترام وليس الولاء.


• بادر برنامج «المرأة النموذج»، الذي تتولى إعداده «حملة الأيادي البيضاء»، إلى تكريمك بصفتك أحد النماذج النسائية المشرفة على مستوى العالم العربي. كيف تنظرين إلى هذا التكريم؟ وإلى إنجازاتك المحورية على صعيد العمل الخيري والإنساني بوجه عام؟

ـ التكريم شرّفني، لأني في الآخر بشر وامرأة تحب الثناء. وأنا أرى كل أعمالي بفخر، وأحياناً لا أصدق، إذ إني بدأت العمل في سن متأخرة. وبالتالي، من المفروض أن تكون طاقتي ضعيفة على مرور الزمن. ولكن على العكس، الله أعطاني القوة لأستمر، وأحمده كل يوم على ذلك في صلاتي.


• تَشغَلين حالياً منصب نائب رئيس «مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية»، حيث تقومون بتنفيذ عدد ضخم من المشروعات والبرامج الخيرية في مجالات عدة، إنسانية واجتماعية وصحية وتعليمية، وغيرها. فما هو البرنامج أو المشروع الأقرب إليك؟ ولماذا؟
ـ أهم البرامج عندي هي البرامج الصحية، التي أعترف بأنها تأتي حتى قبل التربوية. فأنا أؤمن بأننا خلقنا متساوين وحقنا بالحياة هو حق واحد. فلماذا التفاوت في فرصها إذاً، وخاصة في الصحة؟ حَرِيٌّ على الميسور أن يرسل ولده إلى الخارج طلباً للعلم، في حين أن المحروم ليس أمامه سوى المدرسة الرسمية، وهذا لن يكون عائقاً لتقدّم الأخير، وليس صعباً على كبريائه، إنما ليس مقبولاً أن يموت الفقير لعجزه عن الاستشفاء، نظراً إلى غلاء الدواء، في حين أن الغني يدفع ويَحيَا. يجب أن نكون كلنا متساوين في مواجهة المرض فرصاً وإمكانات. لذا، أنا أشجع البرامج الصحية في المؤسسة، ولنا اتفاقيات عديدة مع مستشفيات لبنان، في ما يتعلق بأمراض الكلى والتشوهات القلبية وداء السرطان عند الأولاد. هذه المشروعات هي الأقرب إلى قلبي.
بعيداً عن الإعلام


لديكم رؤية متميزة إلى العمل الخيري تتسم بقدر كبير من الديناميكية والنشاط الميداني والتواصل، هَلاَّ بَيّنتِ لنا الخطوط العريضة لهذه الرؤية؟ وكيف أنها ترتقي بمفهوم العمل الخيري من مرتبة العطاء المادي إلى مرتبة العمل الممنهج والمدروس؟
ـ كل ما تَفضَّلتم به صحيح، ولكن صدّقوني أنه ليس في المؤسسة أي تخطيط سنوي أو رؤية كما سمَّيتموها. كل ما في الأمر أننا ندرس المشروعات المقدمة، نقتنع بها ونباشر بتنفيذها مع مراعاة المساواة بين الطوائف والمناطق. صحيح أننا نجدول أعمالنا في بداية السنة، ولكننا نأخذ الكثير في بحر السنة فقط استجابة لنداء القلب ليس إلا. والعطاء مهم ولكن طريقة العطاء أهم، إذ إني أراعي العزة الإنسانية. هناك شق في المؤسسة، لا يعرفه ولن يعرفه يوماً الإعلام، هو المساعدات الفردية (المدرسية، الجامعية، الاستشفائية) التي تقوم بها المؤسسة بسرية تامة احتراماً لكرامة الناس. ولكن مع الأسف هذا الجزء يشكل 3 في المئة من عملنا ليس أكثر. وأنا أؤمن بأن علينا الارتقاء من العطاء المادي إلى العطاء المدروس، ومن هنا علينا أن نبدأ من الأسفل، علماً بأني أرفض تسليم أي مال لأيٍّ كان. فالمؤسسة تشرف بنفسها على كل الأعمال. وثانياً، ترفض المؤسسة إشراكها في بناء قصور بلدية كتلك التي تزدهر في بلادنا اليوم على سبيل المثال، لأني لست مقتنعة بجدواها، حيث ترون قرى صغيرة ومحرومة من أدنى مقومات الدولة، وتنظرون إلى قصر بلديتها فترونه شامخاً منيراً، وهذا تناقض غير مسموح به. وأخيراً، أستطيع أن أؤكد بفخر أن عطاءنا غير مشروط. فنحن لا نأخذ شيئاً مقابله، لا ولاء، لا إذلال، لا انتماء ولا انتخاب.
عدالة وعيش مشترك


من الأمور المشهود لكم بها أن مظلة نشاطكم الخيري تغطي لبنان من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، بلا تمييز. كيف استطعتم تحقيق هذه المعادلة؟ وما هي الرؤية التي تتحركون من خلالها في تنفيذ جهودكم الخيرية والإنسانية كي تبقى بمنأى عن الطائفية والتمييز؟
ـ أنا آتية من بيت أبي، بيت الاستقلال الأول والأخير استقلال 1943 الذي لا أقرّ بغيره. بيت الصيغة الوطنية، صيغة العيش المشترك، صيغة العدالة وصيغة احترام حقوق الإنسان. فكيف لا أعدل بعد هذا؟ وكلما أحْسنتُ فعلاً يقولون ابنة أبيها. أخبار المؤسسة تظهر على الشاشات مرتين في الأسبوع. وإنما أحرص على أن يكون لكل طائفة خبر إلا في رمضان، حيث يكون الدور للمؤسسات الإسلامية، وفي أعياد الميلاد يكون الدور للمؤسسات المسيحية.
منذ سبع سنوات ونحن نحافظ على خيارنا هذا بمنأى عن الطائفية والتمييز، لأننا لا ننتمي إلى أحد، وولاؤنا هو للوطن، الوطن الثاني، وطن الفقراء، الذي يحتجب عن عيون الناس، والذي يقف وراء الديكور المسرحي للمدينة وينتظر المساواة. وأنا أردد دائماً: نحن ننتمي إلى لبنان 22 تشرين الثاني وليس إلى فريقي 8 أو 14 آذار، وأعتقد أن هذه نقطة قوتنا.
عطاء الزاهد


• تجاوز عطاء «مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية» حدود لبنان، وأكبر دليل على ذلك هو التقدير الذي حظيت به المؤسسة من الفاتيكان عام 2008 متمثلاً في الوسام البابوي من البابا بنديكتوس السادس عشر، والذي قمتم شخصياً بتسلمه. إلى أي حد يعكس ذلك نجاح المؤسسة ونجاحكم في ميدان العمل الخيري والإنساني؟
ـ هناك أوسمة كثيرة، لكن أولها هو الوسام الذي مُنح إلينا من البابا بنديكتوس السادس عشر، وهذا بصراحة تجاوز طموحي. ولن أردد لك الكلام الكلاسيكي أن هذه النجاحات ستكون لي حافزاً في المستقبل لأستمر، ولكني سأقول لكم إنه، في آخر المطاف، لا يصح إلا الصحيح، والصحيح هو عطاء الزاهد. فالأمير الوليد بن طلال، رئيس المؤسسة، قصته قصة نجاح تملأ الدنيا والحمد لله. وعلى الرغم من كل هذا، أراه طموحاً في مشروعاته المالية، يسأل ويُسائل. ومن ناحية أخرى، أراه زاهداً في أعماله الخيرية، لا يطلب ولا يتطلب. لا أذكره يوماً معترضاً على عملي أو فارضاً مصلحة مُعيَّنة. النجاح أن تعطي وتنسى.
تكريم


في أكتوبر 2009 تم منحكم جائزة «سيدة أعمال سنة 2009» من قبل مؤسسة «ارابيان بيزنس» الإعلامية في دبي، وهي المرة الأولى التي يتم فيها منح مؤسسة إنسانية خيرية خارج نطاق الاقتصاد والإدارة هذه الجائزة. فما الذي مثله هذا التكريم بالنسبة إليكم؟
ـ يبدو أن «مؤسسة الوليد بن طلال» نجحت لدرجة أنها تجاوزت نطاق القوانين أو الأعراف المُدرجة، وفي هذا تكريس لعملنا المشترك، أنا والمديرين في المؤسسة أوّلا، وثانياً لأن هناك وضعاً شاذاً في لبنان نحن نستفيد منه بطريقة غير إرادية، حيث إنه توجد عندنا مؤسسات كثيرة وكبيرة أيضاً ولكنها تتعامل ضمن محيطها الطائفي والمناطقي. ومع الأسف، حتى المساعدات التي تأتي من بلاد الخارج تراعي هذا الفرز، وهذا ما يؤجج الانقسام في لبنان. ولو كنت أنا مكان الحكام في بلادنا العربية والإسلامية، لكنت عاملت كل الطوائف اللبنانية بالتساوي، أو لتبادلنا الأدوار نسبة إلى الانتماء الطائفي تجاه كل دولة. هذا ما يجعلنا إذن كمؤسسة محط تكريم في الداخل وفي الخارج، ونحن في الحقيقة لا نعمل إلا طبيعة الأشياء التي أصبحت مع الأسف مستهجنة في عيون الناس.
برلمان


المتتبِّع لجهودكم يلمس أن لديكم انحيازاً مطلقاً إلى العمل الخيري، ولكن هل يمكن أن تتسع أجندة أعمالكم للعمل البرلماني، خصوصاً أنكم تتمتعون بقدرة عالية على التواصل مع نبض الشعب، فضلاً عن تقدير جماهيري كبير، وكلاهما من مقومات العمل النيابي؟
ـ هناك أمثلة في لبنان جعلت المواطن اللبناني يعتقد أن طريق البرلمان أو الوزارة يمر من العمل الخيري. وسواء أصح القول أم الفعل، فذلك ليس وارداً عندي. فالهوّة كبيرة بين الزعيم السياسي والزعيم الشعبي، ثم إن بيني وبين بلدي والشعب اللبناني قصة محبة واحترام، لا أريدها أن تنتهي.


• ماذا تقولين لـ«حملة الأيادي البيضاء»، التي تجمع تحت عضويتها 10 وكالات أنباء و40 مجلة دورية، والتي استطاعت أن تجمع 70 قناة عربية لبث أول برامجها وهو برنامج «المرأة النموذج»؟
ـ «الأيادي البيضاء» هي حملة جبّارة وقياساً بمدى انتشارها من خلال الإعلام، فهي نجحت في استقطاب الكثير نتيجة تعاطيها واهتمامها بالمرأة وهمومها. أما بالنسبة إلى المرأة اللبنانية، فأنا أرى أن لبنان في خطر، وعليها العمل وبشكل جماعي لإرجاع كيانه قبل المطالبة بحقوقها. فإذا انعدمت الأرضية، أين ستمارس الحرية؟