لولو بعاصيري: الأحاسيس تحرّكني مثل تظاهرة صاخبة

زهرة الخليج  |   11 يونيو 2011

بيروت: إسماعيل فقيه

في هذا اللقاء، تتحدث الفنانة التشكيلية اللبنانية لولو بعاصيري عن تجربتها الفنية، مسلطة الضوء على علاقتها باللون واللوحة.

منذ نحو 35 عاماً وهي تحفر اسمها، في مسيرة الفن التشكيلي، بلوحات صارت عنواناً لريشة ترسم صوراً ترتكز على منطق الوعي الجمالي، الذي ترسّخ على مرّ الأعوام في لعبة هندسة الشكل وخصوصية اللون.

إنها الفنانة التشكيلية اللبنانية لولو بعاصيري، التي أمسكت بكل خيوط فن الـ«بورتريه» وخطوطه، وإذا بها تعود إلى حضن الطبيعة التي بدأ نجمها في الأفول في المشهد التشكيلي المعاصر، مستعينة بالأزهار والورود والفاكهة، كحجر الزاوية في البناء الجمالي الذي جعلت الوردة لسان حاله كأداة ذكية، تتلو بنظراتها الصور المتوالدة، مشرعة مع كل لوحة وردية الباب أمام أسئلة تبحر في مساحة المعنى والدلالة. في معرضها الأخير في بيروت، بدت لوحاتها عابقة بسحر الفاكهة التي جعلتها عنوان فرح كبير يفتح البصر على مساحات أوسع. 

وكان لثمرة اليقطين خصوصية في الحضور في أغلبية اللوحات، التي طبعتها حركة ألوان لولبية حاولت تدوير المشهد والصورة والغاية. أكثر من عشرين لوحة من أحجام مختلفة سعت من خلالها بعاصيري إلى الإطلالة على مساحة واسعة من الزمن والإنسان، مستعينة بألوان مشرقة تعكس الكثير من الصور الدفينة في أعماق الأحاسيس الجارفة، التي تقول إنها تحرقها «مثل تظاهرة صاخبة»، وفي مساحة الواقع أيضاً. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل حاولت طرح صورة أخرى للمعنى والفكر من خلال اللون والشكل والصورة. فهل قالت كل ما يعتمل في داخلها أم أنها مازالت على الدرب تبحث عن الصورة المرجوة؟

دلالات

• ماذا تحاولين القول في هذه الألوان التي تتوزع داخل لوحتك الجديدة، خصوصاً أنها تعكس الكثير من الدلالات البارزة؟
- دائماً هناك دلالات بارزة في لوحتي. ولهذه الدلالات إشارات لا تنتهي وتبقى متواصلة في التعبير والبوح والقول. ويأتي دور اللون ليبلور هذا التوجه الذي يتحرك أولاً داخل أحاسيسي، ثم يتنقل في الواقع وفق أصول متناغمة بين ما يعتمل داخل الذات وما يتحرك في في محيط البصر. وانطلاقاً من هذا الشكل المتكامل، يمكن القول إن اللوحة التي اخترتها في أغلبية أعمالي، هي حركة تسعى إلى البناء الصوري من أجل أن تبقى حيوية الحياة نابضة في مساحة البصر، وهذا يتطلّب الكثير من الجهد الذي لا بد أنه صورة خاصة للإنسان، حين يمشي في طريق ذاته وفي طريق الزمن المفتوح على تنوعات وأشكال وألوان الحياة نفسها.


• ما دور الوردة الحمراء التي تصدرت معرضكِ الأخير، هل للون الأحمر دلالات جديدة تسعين إليها؟
- لا يمكن حصر الوردة في نشاط معين وثابت وأخير. اللون، وإن كان من الخصوصية التي تسمى اللون الأحمر، إلا أنه يبقى في المدى الذي لا يُحدّ. ذلك أن الأحمر لا يمكن أن يدلي بإشارة الحب أو التعب، من دون أن يكون له خلفية فكرية ومعتقد وحاسّة تحرّض على الشأن المتجدد. دور الوردة في لوحتي لا يسعى إلى التعقيد في التعبير والوصف، إنما هو لون مفتوح على الزمن الذي أنطلق منه إلى الخصوصية الجمالية وإلى الخصوصية في التعبير. وقد تكون الوردة هي الصورة الحقيقية التي يمكنني من خلالها بناء المشهد المرتجى الذي يُسعفني في البوح عن مكنونات كثيرة تجتاح كياني وشعوري. لقد اخترت الوردة الحمراء لأنها تعبّر عن نشاط متواصل داخل الحياة وفي مساحة الإنسان. الأحمر في وردتي هو لون الحياة تماماً، وقد يكون لكل مهتمّ مرآة داخل هذه الألوان، وفي أوراق هذه الوردة الوارفة على حياة شاسعة، لا يمكن حصرها ضمن أي حدود.


ثمرة الحياة

• تختارين ثمرة اليقطين كأساس جمالي في لوحتك، واللافت هو هذا الإصرار اللوني على لوحة تعتمد على ثمرة قد يصعب تصنيفها داخل المشهد الجمالي وضمن المعنى الذي يتحرك داخل هذه الثمرة. لماذا هذا الاختيار؟
- ثمرة اليقطين البارزة في أعمالي الجديدة هي ثمرة الحياة أولاً، وهي دلالة تعطي الكثير من الصور التي يمكن وصفها بالقادرة والمعبّرة والنابضة بصور الحياة. وقد اخترت اليقطين للقول إن كل ثمرة في الأرض هي صورة أخرى للحياة، ويمكن من خلالها القفز إلى ذروة المعنى الذي يؤجج اللحظة، ويجعلها تتحرك لتصل إلى منابع الجمال وقوته وتأثيراته في الحياة.


• ماذا تعني لك هذه الثمرة التي تبدو خاصة جداً في لوحتك وربما تكون ثمرة من نسج خيالك أكثر مما هي في الواقع؟
- لقد اخترتُ الشكل الذي يناسب إحساسي في اختيار هذه الثمرة، وكما تلاحظون هناك ألوان جديدة وخاصة لهذه الثمرة، فاللون الأبيض أو الأخضر لهذه الثمرة يبدو جلياً في لوحتي. وأعتقد أن هذا اللون هو من تأسيس خاص، اخترته لأقول من خلاله كل التفاسير التي تنتابني أثناء سلوك درب الحياة. ثم إن لهذه الثمرة خصوصية في الشكل، ويمكن القول إنها ثمرة ناضجة بدلالاتها الجمالية. إنها ثمرة مليئة بالحياة وتعطيني الكثير من الأمان، خصوصاً حين أدخل إلى تفاصيلها التي تحرّك شجوني وتعطي بصري الكثير من الظنون الجميلة.


• اللون الأصفر أيضاً له حضور طاغٍ في لوحتك، فهل له خصوصية أرادتها لولو بعاصيري لتصل إلى هدف جمالي معين أم أنها جاءت كنتيجة طبيعية لشعور خاص تتحركين داخله؟
- يمكن القول إن الأصفر هو لون غير ثابت، أي أنه متدرّج ويتحرك وفق أصول متتالية لا تستقر في إطار ثابت. وإن برز اللون الأصفر كأشعة متعاكسة، فإنه لا يتوقف عند هذه الخصوصية الثابتة، بل يتعدى الأمر كل هذا ويصل إلى تناغم كبير بين مفاصل هذا اللون وخصوصية ما يعكسه من دلالات مفتوحة على التنوع وعلى التفسير البالغ. الأصفر هو لون كل الأشياء وكل الجماليات النابضة بالحياة والتوهج والأمل، وأنا أستمد منه كل هذا التوهج، وأنطلق بفضله إلى أبعد حدود التعبير. ودائماً يساعدني هذا اللون على البناء والفعل، والتعبير البالغ الذي يمكنني من خلاله الوصول إلى حيث تكمن الرغبة الجميلة والصافية، رغبة الحياة بما تمثّل من ألق ومتعة وسعادة وإشراقات عارمة.


بين السعادة والحزن

• هل أنت فنانة سعيدة دائماً وتالياً أن لوحتك هي مرآة هذه السعادة؟
- بالتأكيد لست إنسانة سعيدة دائماً، وإن كانت السعادة هي في متناول حياتي وأيامي. وربما تجد لحظات الحزن طاغية على حياتي. ويمكن القول إنني إنسانة تتحرك وسط السعادة والتعاسة. السعادة هي عامل غير ثابت في حياتي، وإذا أردنا المقارنة بين التعاسة والسعادة في حياتي أجدني أكثر حضوراً في مساحة الحزن، الذي يحرّكني ويأخذني إلى أبعد حدود الحياة الضاربة في الألم وما شابه. صحيح أن لوحتي هي مرآتي، وهي انعكاس طبيعي لنشاطي في الحياة بكل ما يمثّل من تنوعات وتحولات، ولكن لوحتي لا تعكس سعادتي فقط، إنما تعكس أيضاً الكثير من التحولات القاسية، والكثير من الحزن الذي يتلبّد في مساحة الزمن الذي أعيشه.


• هل يحرضك الحزن على الرسم والإبداع أكثر مما تحرضك السعادة؟
- كل شيء في الحياة يحرّضني على الرسم والإبداع. حتى الفراغ والملل والقهر والزمن والوردة، كلّها تحرضني عل امتشاق الرّيشة والذهاب معها إلى أبعد حدود الخيال. كل مشهد وكل إحساس في الحياة يحرضني على الإبداع ويعطيني فرصة جديدة، وكأنها المرة الأولى للفعل والتعبير والقول.

يمكن للحزن أن يكون له الوقع القوي والفاعل على تشكيل وقائع مهمة وضخمة داخل اللوحة، وكذلك تلعب الحالات الأخرى هذا الدور. لا يمكنني الفصل بين التعبير والتعبير بسهولة، ذلك أن الأحاسيس هي العنوان وهي الرأي، وهي الصورة التي تحركني وتقدمني وتتقدمني أحياناً كثيرة مثل تظاهرة صاخبة.


• ماذا عن العاطفة في لوحتك وحياتك؟
- إنها نهر مستمر، ولا يمكن الخروج من سطوته حتى في لحظات الحزن. العاطفة هي الحالة التي تحرك الذات وتشحنها بالعطاء والبهجة، وقد يكون الحب فعلاً كبيراً يمكن من خلاله الوصول إلى الاستقرار الكبير، وكذلك يمكن من خلاله التعبير عن المستحيل مهما يكن قاسياً. والحب هو لون بآلاف الألوان ولا يمكن حصره في دائرة واحدة، إنما هو حب في كل نواحي الحياة وفي كل مساحة الزمن والإنسان. الحب في حياتي وفي لوحتي يتّحد ويتحوّل دائماً صوب الأمل، ويعطيني الكثير من الاطمئنان وراحة القلب والبال.


• متى ترسمين؟
- دائماً ويومياً أمارس هذه المهنة التي باتت مساحة حياتي كلها. وإنجاز اللوحة في حياتي هدف يومي، من أجل أن تبقي حياتي على وتيرتها في التعبير والقول والفعل، وليس أكثر من اللوحة في امتلاك هذه القدرة التي يمكنني الاتكال عليها.

للمزيد:

علاقة عطرك بشخصيتك

هل تستقبلين طفلكِ بالكلمات المناسبة؟

صور: لسفراتك الصيفية الأنيقة

فيديو:ماكياج العروس