أَمْزَار وَحَمَد

واسيني الأعرج  |   30 سبتمبر 2018

كبر حَمَد بسرعة، لا يعلم كيف حدث ذلك؟ لكنه كبر. لم يكن حمد بطلاً خرافياً، ولكنه كان إنساناً جميلاً بمقاييس التربة التي نبت فيها. طويلاً كشجرة عالية، شهماً كشمس، ونبيلاً كغيمة. صادقاً كان كما المطر. وكلما تحدث، وقفت أمامه الفراشات والطيور، واشتركت في أناشيده. أمْزار كانت فخورة بأجدادها الأمازيغ الذين منحوها هذا الاسم الذي يعني: إلهة المطر وقوس قزح. كان حمد وأمزار يلتقيان في المراعي. حمد ابن عمها، وهذا ما يمنحه حق الحلم بالفوز بها.
ذات صباح باكر، مر عليها وهو باتجاه محطة القطار. ارتدى لباساً جديداً، علامة الهجرة. قالت له: حبيبي سأحزن. سيتوقف المطر في السماء. وتمكث الشمس في مغيبها إلى أن تعود. وستبعدني الرياح عنك في كل ثانية. ستسافر نحو أرض تسرق القلوب بسرعة. لكني سأنتظرك. قال إن الحياة قد قست عليه منذ أن رمته في هذه الزاوية من الكرة الأرضية. أقسم بأنه سيعود. وأن غيابه سيكون دربه نحوها. قال: أريد أن أكون أهلاً لك. قالت: لو عليّ، سأعيش بقية عمري معك، على الماء، وقليل من الخبز إلى أن تأتي يد الأقدار لتقطفنا كما تشاء. لو عليّ. قالت: تكفيني شمس تصعد كل صباح وتغيب كل مساء. يدي في يدك نحسب رحلة الوقت، وندرك كمن يكتشف الأرض، كم أن السعادة لا تطلب الكثير. لو عليّ لطلبت يدك من عمي، وقضينا العمر في سفر لا ينتهي، كل يوم نكتشف مساحة من أرضنا التي لم نعرفها من قبل. لو علي لأوقفت الزمن بيدي، وأسكنت قوس قزح والألوان في قلبي، وأمسكت بك وركضنا معاً نحوه. لو عليّ لاكتفيت بك، لأعيش في ظلك. فجأة سمعت صوت عمها في الخارج. حمد، القطار لا ينتظر. ضمها. قبّل جبهتها.
ورسم برأس سبابته شفتيها قبل أن يقبلهما ويمضي نحو محطة القطار. صرخت لكن صرختها لم تخرج. من يومها غاب حمد. ومن يومها وضعت أمزار حمامة عند النافذة. تسألها في كل صباح عن حمد. وكانت الحمامة تجيب. كانت أمزار تفهم لغة الطير إذ يفرح أو يصاب بحالة حزن أو قلق. وكلما سألتها عن حمد، تحلق وتطير في عمق السماء، في كل الفصول. تفرح أمزار. لأن الحمامة أخبرتها أن حمد في عز وفرح. إذن سيعود حمد مع إشراقة الشمس القادمة. غابت الشمس وأشرقت سنوات كثيرة حتى ضيعت أمزار القدرة على العد. ذات يوم اسودت السماء. مدت يدها كما تعودت أن تفعل وعبرت السماء بأصابعها، ومسحت على وجهها بألوان قوس قزح. لكن كل الألوان حالت فجأة، وسقطت كما يسقط التين الميت من الشجر. وعندما عادت الحمامة، كانت جريحة في قلبها.
في اليوم الذي زارها فيه عمها، والد حمد، وأخبرها بحزن في العينين، أن حمد نسي القرية والناس، وخان نوار اللوز وأحلام إلهة المطر. قالت: يا عمي لا تقل هذا. حمد سيعود. حبيبي لا يخون دمه وإلهته، حمد لم ينس، ولكنه أصيب بغفوة الغريب، حيث تتضبب الرؤية، ويجف المطر، وتفقد الشمس أشعتها، وتخسر الأرض ميزانها، فتدور بشكل عكسي. حمد لم ينسني يا عمي، لكنه من شدة قهر الغياب، أصابته غفوة الغريب. وعندما مات الحمام، بكت الريح، وصرخت أمزار: ماذا فعلت يا حمد؟ كنت لك بكلّي.
كنت سأظل أفتل الوقت وأنتظرك حتى تعود، لكنك نسيتني. ألم تقل لي بأنك ستعود بي نحوي؟ وها أنت تنأى بك عني. وغاب حمد، اتسعت فجوة الغريب. وانكسرت أمزار وماتت ألوانها. وذات صباح سمعت قوس قزح يدق على بابها. فتحت. شمت ظل حمد. ثم رأت ظل حمد، ثم حمد. لم تعانقه كما تعودت أن تفعل بعد كل غياب. رأت وراءه فراغاً. سألته. أين زوجتك يا حمد؟ قال عشت معها ولم نتزوج. في تلك البلاد لا يتزوج الناس ليعيشوا معاً. عندما احترقت تربتنا وبدأت حرب الأرض رأيت جدي يأتيني ويقول لي: اجر. اجر يا حمد، أرضك تسرق منك. وانتابني وجهك، فجريت نحوك بلا سؤال. فتحت عينيها فرحاً. تلك لغة حمد. دخل في عمق نار الحرب، وبعثر رمادها ليحفظ الحلم من التلف. عندما ألقوا القبض عليه، عذبوه فقط ليقول لهم أين خبأ الحلم. لكنه لم يفعل. ذات صباح من سنة 1959، غاب جسده ولم يعثر له على أثر. أقسمت أن تبحث عن رماده أو بقايا رفاته وتبني له قبراً يستريح فيه. عندما شعرت بظل الموت يتمدد فيها، حفرت قبره في أول مكان افترقا فيه. وضعت شاهدة وكتبت عليها: كان هنا آخر مرة، قبل أن تسرقه الحرب مني.