تقاعد العقول

كريم معتوق  |   23 مارس 2019

يطلق اسم المطبخ بالمصطلح المجازي على المكان الذي يمارس فيه الشخص المبدع، أو الكاتب أو المفكر حالة الخلط والتقديم والتأخير والاستفادة من الماضي والمحفوظات، أي المكان الذي يجهز فيه المبدع خلطته السرية ليظهر عمله مكتملاً.
وأذكر مقولة للملحن الراحل محمد عبد الوهاب، حين قيل له إنك تأخذ ألحاناً من أميركا الجنوبية ومن دول أخرى وتضعها بألحانك حتى لا يميزها إلا المتخصص، فأجاب أنا طباخ شاطر، لا يستطيع أحد
أن يعمل طبختي اللحنية، ربما تكون هنا الفكرة قد وضحت، وكذلك الشاعر، فهو يقوم في مطبخه بعمله الخاص مستفيداً من بيت شعر قديم له لم يكمله ويضعه في قصيدته الجديدة، وهناك خلطات خاصة عند كل شاعر، وعند كل فنان عموماً أو كاتب.
وبالنسبة إلى كل الناس، فإن العقل هو مطبخ الأفكار والآراء والقرارات، فما إن تمر حادثة معينة فإن الإنسان والواعي، يقيس هذه الحالة على مصلحته، ومنافعه ومخاسره وربما مضاره، فيأخذ القرار الصائب بها من دون أن يلتفت إلى ردود الفعل السريعة، والتي غالباً ما تكون من خارج مطبخ العقل.
لهذا يتصرف البعض مخالفاً الأعراف، ومجانباً الحق ربما أو العدل، في موقف معين فقط، لأنه عرف أن مصلحته تكمن في الموقف الفلاني، وليس كما يعرفه الناس أو يتوقعونه، وينفذ الإنسان بكامل وعيه أوامر تأتيه من رئيسه من دون أن يناقشها، فقط استقر في عقله أن المسؤول أمره مطاع، فلا مكان لعمل العقل، أو مجال للتفكير بعواقب أو إيجابيات القرار أو الأمر، فهناك عواقب محددة عرفها مسبقاً بعدم التنفيذ.
لهذا فإن العقل هو أكثر عضو في جسم الإنسان يعمل بصفة مستمرة، وبمستويات كثيرة بين الاضطراب والتوتر والقلق والتفكير، بخلاف القلب الذي يعمل بوتيرة واحدة، ومطبخ الإنسان أو عقله في الكبر يشعر بحاجته للتقاعد، لهذا يقل التفكير ويكثر التأمل في الحياة، ويقل التخطيط والرضا بما يتحصل عليه مباشرة ومن دون عناء، وتلف المطبخ هو بلا شك يشكل ضرراً كبيراً، كحالة الجنون التي تعتري البعض، أو الـ«ألزهايمر» الذي يلغي جانباً كبيراً من الذاكرة، وتشكل حالة تقاعد العقل أشبه ما تكون بنهاية الحراك الإنساني بما يحيط بنا، أو حالة ما قبل النهاية، فما إن يكون المطبخ عامراً بجميع المستلزمات الخاصة بالفكر والإنجاز، إلا وكانت الحياة هناك.

شعر
على جسرينِ أو نهرينِ

على لغتينِ لا أدري

أو معنى يمدُّ الروحْ

أحسُّ بأنني المشتاقُ

أأكتبُ كان لي لغتانْ

والمتروكُ والمذبوحْ

إلى زنزانة السجانْ

وإن جميعَ ما سطرتُ

وإن العقلَ يسحبني

فلا أمسُ يظلُ معي

في سيري غدا مفضوحْ

وليس معي ظلال الآنْ