دبلن.. عاصمة الأدب

مليكة أحمد

  |   25 أغسطس 2019

جاء موسم الصيف، وبدأ معه التخطيط لمشاريع السفر والاستمتاع بوقت الإجازة مع الأهل والأصدقاء، فتتعدّد الوجهات باختلاف الرغبات، منهم من يريد الفرار من حرّ فصل الصيف، نحو سياحة شاطئية تقتصر على زيارة جزر ومدن صيفية بعينها، ومنهم من يفضل قضاء وقته في مدن تخف فيها حدة درجات الحرارة العالية، مثلما هي الحال في مدينة دبلن، حيث يمكن أن يستظلّ أحدهم بأشجارها الكثيفة وغاباتها الخضراء المطيرة، ويستفيد من مكانتها في عالم الأدب والثقافة.

كانت دبلن أول مستوطنة تستقطب قبائل الفايكينج، الذين جاؤوا لاكتشافها، فاستقروا بها وأطلقوا عليها فيما بعد اسم «ديفلين» وتعني «البِركة السوداء»، التي كانوا يقصدون بها نهر ليفي الذي يصبّ بالمدينة حينها، قبل حكمها من قبل الملك هنري في القرن الـ16 الميلادي.
يبرز في دبلن الكمّ الهائل من البساط الأخضر، بمساحات لا تعدّ ولا تحصى من الطبيعة المفتوحة لاحتضان المفتونين بها، فهي حتماً الوجهة الأفضل لمحبي الظلّ وما تعشقه العين، أو كما يدعوها السياح بوجهة الأحلام.

شحنة إيجابية
من بين الأشياء الأفضل لدى زيارة هذه المدينة الغنية بالتاريخ والطبيعة، مركز المدينة، فمن يزورها  سيشعر بشحنة إيجابية، ولمن أراد أن يختصر السياحة الشعبية في دبلن، عليه التوجه لزيارة معبد «بار» الذي ينتصف تقاطع شارع إيسيكس مع فاونس، حيث المطاعم والمقاهي ومحلات بيع التذكارات السياحية، وعلى الرغم من شعبية المنطقة إلا أنها مكان تاريخي، يضمّ شوارع صغيرة متداخلة فيما بينها، يجلس على أرصفتها فنانون موهوبون في العزف على عدد من الآلات الموسيقية، يقدمون عروضاً جميلة وممتعة، تشدّ إليها جماعات من الوفود السياحية، مما يؤدي إلى اكتظاظ المكان طوال اليوم.

مكتبة ضخمة
الأهمّ في دبلن، زيارة كلية «ترينيتي» التي تكشف عن حبّ سكان المدينة واهتمامهم البالغ بالثقافة والأدب، مما جعل اليونسكو تمنحها لقب «عاصمة الأدب»، لمرات متتالية، تعدّ الجامعة صرحاً تاريخياً ومعلماً ثقافياً بارزاً في إيرلندا بأسرها، يعود تاريخ بنائها لعام 1592، لتكون الجامعة العتيقة الأقدم ليس في إيرلندا فحسب، بل في بريطانيا وأوروبا. تضم مساحة شاسعة من قاعات التدريس والمحاضرات وأروقة الطلبة، ويمكنكم التجول في مرافق الجامعة من دون تكلفة، ماعدا دخول المكتبة الذي يستدعي اقتناء تذكرة يقدر سعرها بـ20 يورو،  لون جدرانها البني الخشبي يلفت النظر، وكتبها مرصوصة جنباً إلى جنب بحجم هائل، يصل عددها إلى أكثر من 4.5 كتاب، يعود تاريخ جزء منها إلى 1200عام، وجزء كبير من الرفوف يضمّ مؤلفات وكتباً ومخطوطات تاريخية قديمة، تحرص أجنحة الكتب نصب لتماثيل تجسد ملامح شخصيات من عمالقة الفنّ والأدب والثقافة في إيرلندا من أمثال الكاتب المسرحي جورج برنارد، والرسام فرانسيس بيكون، والأديبة ايزابيلا أوجاستا، والمحامي دانييل أوكونل الذي يمتثل بدوره في إحدى الساحات العامة للمدينة، ويلقب باسم «المحرّر» باعتباره من كبار القادة الإيرلنديين خلال حروب إيرلندا ضد بريطانيا.

معالم سياحية
تتمتع دبلن بزخم من المعالم السياحية، مما يجعلها تستقبل زهاء أربعة ملايين سائح سنوياً، وخاصة تلك المتعلقة بزيارة الكاتدرائيات العتيقة فيها، مثل كاتدرائية «سان باتريك» التي تعتبر واحدة من أبرز مناطق الجذب السياحي في العاصمة الإيرلندية، يمتدّ تاريخ بنائها إلى العصور الوسطى وتحديداً عام 1220، تم ترميمها في 1260 بعد الدمار الذي طال جزءاً منها إبان حرب بريطانيا، وتعدّ الأقدم والأكبر في إيرلندا من حيث المساحة، ومن الصرح الوطنية النادرة التي لا تزال صامدة في وجه تغيرات الزمن والجغرافيا. وتليها من حيث الأهمية السياحية حديقة «فينكس» وهي أكبر مساحة من سابقتها بامتداد يصل إلى 707 هكتارات، وهي من كبرى الحدائق الترفيهية المغلقة في العواصم الأوروبية، يعود تاريخ إنشائها لعام 1662 بأمر من الملك شارلز الثاني، تغطي فيها الأشجار نسبة كبيرة منها، وتتنوع ما بين أشجار الصفصاف، الصنوبر والبلوط، ويحتضن الجزء الشماليّ منها حديقة خاصة للحيوانات والطيور.

المتحف السجن
متحف «سجن كيلمينهام جول» الذي بني عام 1796، هو أحد أهم الأماكن السياحة التي يحرص الزوار على تفقدها، فتاريخه الطويل شاهد على تصوير أبرز المواقف العسكرية التي حدثت خلال حكم الملك هنري، يستحق الزيارة فعلاً، استخدم في الماضي مخزناً للأسلحة وثكنة عسكرية وسجناً للمتمردين ضد الحكومة البريطانية حتى عام 1924، أغلق فيما بعد ولم تتم معاودة افتتاحه حتى عام 1996، تم خلال تلك الفترة جمع المزيد من الآثار المتعلقة بمرحلة التمرد التي تلت الحكم البريطاني، واليوم يصور المتحف بعض الأعمال العسكرية التي صاحبت أهمّ الأحداث التي قامت في إيرلندا حينها، كما يرمز المتحف إلى القومية الإيرلندية والدستورية التي نتجت عنها حرب أهلية وتمرد امتدّا لفترة زمنية طويلة، ويعدّ أحد أكبر السجون الشاغرة في أوروبا، يصور اليوم نبذة ولمحة عن التاريخ السياسي الحديث لإيرلندا، وعن نزاهة الشعب الإيرلندي الذي ضحى بالنفس والنفيس من أجل استقلال إيرلندا عن الحكم البريطاني، ولمن يرغب في زيارة المتحف السجن عليه الحضور مسبقاً ومبكراً، وذلك لنفاد التذاكر بشكل كبير.

مباراة الغيلي
تتشابه المدن، وتختلف وتتنوع طرق الاستمتاع فيها، ففي دبلن ستحظى بمتعة سياحية لا تنسى، ماذا عن حضور مباراة لتشجيع فريق «هوريينج» الإيرلندي في ملعب «كروك بارك» الذي يتسع لحوالي 82 ألف شخص، يمارس فيه نوع مختلف من مباريات كرة القدم التي نعرفها، تدعى مباراة الغيلية، وهي من أشهر الرياضات الإيرلندية التي تجمع بين كرة القدم والركبي، وجاءت تسميتها من «جيتليك فوتبول»، تُلعب بفريقين مكونين من 15 لاعباً، يأتي الفوز بالتسجيل على الخصم للحصول على ثلاث نقاط، وتستمرّ وسط حشد كبير من المشجعين والحضور، وتنال شعبية كبيرة في الوسط الإيرلندي ودبلن خاصة.

مرافق خضراء
حديقة «سان ستيفان الخضراء» تتربع بمحاذاة شارع «جرافتون»، حيث الهدوء الجميل بعيداً عن ضوضاء المدينة وأحيائها، والمرافق الخضراء الممتلئة بأزهار القرنفل العطرة، والمقاعد المترامية هنا وهناك، يصادف المدخل الرئيسي عدد كبير من النصب الرخامية، وتتخلل مساحتها الواسعة مجموعة من النوافير تتدفق منها مياه راقصة، وعلى الجانب الآخر منها تنتشر مجموعة من الاستراحات، التي تخيل لك أنك في منتجع سياحي وليس في حديقة.

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث