لولوة المنصوري تكتب: مياه القلق والعبور

لولوة المنصوري  |   13 مارس 2020

في البدء كنا سلالة رحيل وعبور، لم يثق البشر بالاستقرار أبداً، ولم تتشبث الأمم بالأمكنة، إلا حين سلّمت أمرها لتوافر (الماء).

في مكة، لا تكاد المشيئة المائية تتمايز، فنواتها مشتركة بين الشعوب، بينما أفرع الأحداث تتشعب وتنفصل.

من حزن امرأة انفجرت أولى بدايات الماء الأنثوي، ماء مكة ماء قلق دهري ورحيل وهجرة، أم هلِعة أشفقت على وليدها من بطش الجوع، فتدفق ماء الطمأنينة يأتي من خارج العالم، كتب له الخلود والتدفق والجريان، ويعمّر الجبال الجرداء بالحياة والنبوءات، رغم محاولات الطمي والطمر المتكرر عبر تعاقب الزعامات الأولى وتتابع التاريخ القديم على مكة.

شاء الله أن يكتب وصية العبور في صفحة مكة، عبور مركز الأرض وبؤرة السلالات التي طوّح بها جنون اليمّ القديم بعيداً، ولولا عبورها القلِق لما برزت تخوم المياه الأحفورية، تلك المياه التي بعث الله فيها الحياة من جديد لتستقبلها الشمس عبر ثلاثة تصدعات صخرية أحدثها الزمن التكويني القديم لسلاسل الجبال في مكة، كجزء متصل بالجبال العظيمة المهيبة، جبال السروات المنحدرة نحو البحر الأحمر، ذات الامتداد الشاسع غرب الجزيرة العربية، ابتداءً من العقبة شمالاً، فالحجاز ومكة ثم اليمن وصنعاء جنوباً. 

الينابيع من بين كل الأشياء ماء مؤنث. بدءاً، وقبل كل صراع، في ذلك المكان الزمني تحديداً نبتت السلالة الأمومية، سلالة البئر والماء، وركنت الأقوام إلى الأرض والينبوع وتعاقبت على المكان في سلسلة هجرات متتالية وعبر قرون طويلة.

«جرهم» المرتحلة من اليمن، أوجد لها الطير الحوّام على الوادي سبيل البشارة، فهتفوا: إن هذا الطير لحائم على ماء (حائم على أنثى).

فكانت «جرهم» أول مرتحل إلى مجاهيل مكة، نحو سرّة الأرض، حيث يصير الرحيل وطناً، ولا مفرّ إلا بتسليم الزمام للطريق، وكان الطريق مقدّراً بدءاً، لا ينتهي إلا إلى امرأة تسكن نبعاً متلألئاً في واد ٍغير ذي زرع. فصارت «جرهم» أول مستجير امرأة الماء: (إن شئتِ كنا معكِ فآنسناكِ والماء ماؤك). 

أذنت لهم فنزلوا بها، وهم سكان مكة حتى شبّ إسماعيل، وعادت هاجر تعتنق فكرة العبور، غير أنه عبور كوني، عزلة عميقة في السماوات البعيدة، حيث بحيرات الأبدية والارتواء بلا نهاية.

ماتت ربة الماء ودُفنت في العريش، موضع حجر ابنها، في مركز الأرض تحديداً حسب مقاسات الجغرافيين، حيث العش الأول الذي سكنت إليه بعد إياب زوجها النبيّ إبراهيم إلى فلسطين، وحيث موطئ الصلاة المقبلة، دعاء الهارب من رماح الذنب، مهوى المنكوبين والحزانى والأمهات الثكالى المنتفضين من مواسم الجفاف، الحاجين من مواطن الحروب والدمار وعواصف العظام والدماء والخطيئة.